"كفانا تشظياً يرحمكم الله "

بقلم الكاتب والباحث/ د.حسن السراي كانون1/ديسمبر 04, 2023 130

الكاتب والباحث/ د.حسن السراي

يجب أن نبتعد عن الجدال الصعب الذي تكثر فيه الانفعالات الى حد جاوز المعقول ، حيث كثر لغطنا ، وإشتد هياج البعض ، وتوحدت الطبائع في توترها على اختلاف اعراقنا وخلفياتنا الثقافية الحضارية. مطلوب إبداء الطرح والتحليل وتوصيف الأمور بصدقية ومهنية وعلمية وحيادية خالصة. يجب ان لا تبحث عن انتصار في جدال، فللمعرفة والعلم حقها ، لا لشخصك ، لاحظ ميز ردودك ودعنا نستوضح منك لماذا الإنفعال؟ هل انتصارا للفكر الصائب ام لشخصك؟إعلم أن النفس أمارة بالسوء ، وانك تحتاج الحقيقة لحماستك، بل لتركيزك في كذا مجال. قد تعلم اليوم وتجهل غدا. فوفر دواخلك لذاتك. ان تتعاطى المعرفة فهذا واجب، وليست ضاغطة ذاتية، انما هي جمعية، لا كبرياء ، لا فخر، إنحز للجمع، لا لل (أنا) . شيء مؤسف أن كثيرا من المشتغلين في الفلسفة الاسلامية المتنوعة حين يدخلون في جدال او نقاش أو بعض المناظرات لا يتورعون اطلاقا عن التجاوز والسب واللعن وحتى التكفير، بردود نتنة لاعلمية ، ومن كتب الله له بعض علم تراه يتطاوس في اسلوب رده وكأن الشمس اشرقت من تحت أبطه. تواضعوا سادتي ، ما أوتينا من العلم الا قليلا!! واتقوا الله في اعراض الناس ومحاوريكم، فان علمت اليوم قد تجهل غدا ، والحياة جهد نافع، وعطاء بمعان رائقة. بقراءة متأنية لمعظم ما كتب ويكتب ، وما قيل ويقال من كتابات ونصوص ، وعندما نطالع معظم هذه الكتابات والنصوص في الكتب القديمة، والكتب المهمة اليومية في الجرائد والمجلات وعلى صفحات التواصل الإجتماعي ، نلحظ بيسر أن هذه النصوص ملتصقة جدا بكتابها، فلا تمايز بين المحرر ونصه، وهي اغلبها نثرا تقريريا ينزاح بعنف نحو أنانية مفرطة،ولكنها بعيدة جدا على ان تكون مذكرات، فهذه الاخيرة قد تشبعك حقا ولكن النصوص المعنية تترعك كثيرا من انفعال ، وعمق وهوس ، وتأمل ومواقف، ورغبات وامل ، وظلام وبكاء ممض ، وعناد آسن ، والمظاهر كثيرة ،فرصد انفعالاتها وتوترها يستلزم من القارئ ان يعرف مليا بيئة النص ومناخاته الاجتماعية والنفسية والثقافية. وان أردت نقدا ونخلا موضوعيا فانت ملزم كناقد ان تلبس لبس الرسام الكاريكاتوري ، يعني ان تذوب تعمقا في بواطن النص وتسوقه على مهل الى مراسيه التقنية الممكنة لترى مدى التردد الاستعاري فيه وأفقه وتصاريف انفجاراته اللغوية ان وجدت، لتخلص في النهاية ان فخامة الـ (انا) تطغى بفنية رائقة حينا، وغوغائية احيانا اخرى ورهف الـ (انا) يصرف غالبا في مسارب البكائيات والمظلومية اتمنى ان تنضج هذه النصوص لتأخذ شكلها الفني المريح لانها تائهة كأبن المحارم. العقائد السريعة العسكرة مشكوك دوما بصوابها. فلو كانت اكيدة حقا لقاومت في مخاطبة العقول واستماتت ووثقت من احقيتها ودوامها وعلنها . كان الاسلام بضع انفار فاستشاطت قريش سريعا لهوان عقيدتها، واستلت سيوفها برعونة ولكن الله قضى امره. بعض المذاهب تبدأ قناعا كاذبا ، وما ان يتكاثر عددها فتتسلح تحت مبررات عدة ، وخير مثال على ذلك داعش ومن يقف خلفها. الحق لا يخفى، ولا يستحق بروباغندا ، ولا كذب. بل يضيء ما تعرفه باتزان ابعادك وعمقك ويقنع الآخرين ، لن تتمكن من فرض رؤياك بالقوة ، لأن رد الفعل سيكون أقوى. لا يمكن للمؤرخ الحقيقي ان يسلط عواطفه الذاتية على واقعة تاريخية ما ، وحتى ان ينقل العاطفة الجماعية فلا بد ان تكون في سياقاتها الطبيعية. فان كان المشتغل بالفلسفة يلتزم بالصرامة المفهومية وبتقنيات عدة منهجية في كتابة رأيه ونظرته فان المؤرخ مثله تماما ، يرتكز في تحبيره للمادة التاريخية على اسس ماقبلية تعنى بالتحقيب، وطرائق حفره وتوثيقاته كما مراجعه ، ولا يسمح له بإسهال لغوي وانطباعية، لانه حينئذ كمن يكتب ويبنى العوائق الابستيمولية. فكيف له بالنهاية!؟اريحونا من فضلكم من التحقيب الشعري والفنطازي التاريخاني والبطولاتي وبعدها اكتبوا وسنقرأ لكم. لنقلل نقاط الخلاف بيننا ، ولنقرب لإلغاء الفجوات بيننا ، دعونا نبحث عن المشتركات لنسير في طريق جديدة ، طريق جامعة للكل. ولنأخذ العبرة من الكنيستين اللوثرية والكاتوليكية حيث اوقفتا الاقتتال الفكري والتجاذب الكنسي بعد خمسمائة سنة من الديناميت المتبادل. لم يتبادلا الحياة على سعتها ، بل تبادلا الموت باصنافه العديدة. بقيت الكنيستان في حوار لمدة نصف قرن لتتفقا اخيرا. لسائل ان يتسائل كيف حصل هذا؟ هل بالتوافقات العقدية الفكرية؟ هل ركز الاباء والقساوسة على المشتركات وتوافقا في الاختلافات وهي عميقة جدا ؟ الحقيقة لا هذا ولا ذاك ،بل تم الذهاب الى قراءات جديدة ، بمفاهيم جديدة ، واساليب جديدة ، وانتهى الموضوع. لا نريد اسقاط الطريقة نصا لمعالجة تشضياتنا المذهبية ، لأن قد نبدع أكثر واصلب منها وانجع…ولكن لنأخذ العبرة منها للتوحد ، والتجديد ،في أذهاننا ،وعدم اليأس وان استحالت المهمة الان. هل يمكن ان نرى شيوخا بتمام كفاءتهم الفلسفية والالسنية وفي علم التاريخ؟ هل يمكن ان نرى طلبة العلوم الدينية والشرعية يدرسون الى حانب القضايا الفقهية ابستمولوجيا التاريخ ومختلف كبرى الفلسفات بلغاتها الحقيقية؟ هل سنرى العمامة مئزر علم وبحث؟هل سندرس طلبتنا لعلوم الصرفةمنها والعلوم الانسانية علوم مناهح البحث؟متى نرى أساتذة الجامعات يركزون على التوحد ونبذ التفرقة وحب الوطن كما يركزون على المادة العلمية؟ متى نرى ائمة الجوامع يخطبون على المنبر من محمولهم الخاص والثري بالدنيا والدين وهم بمنتهى العقلانية والهدوء والتواضع بلا صياحات فارغة بعمق مريح وواثق ، يأخذ بيد الجميع صوب التوحد؟ كفانا تفرقا وتباعدا ، وإعلموا أن الكل يوغل معاوله في جسد بلاد العرب والامة الاسلامية بلا رحمة، مستعينين بذلك بهوان حكام الثغور البائدة سياسيا وحضاريا وأخلاقيا. اما الخرب العقدية المسيسة فهي على وفائها للبيع ، ولمن يدفع اكثر ، لن نكون مع حق يراد به باطل ، ولن نكون مع باطل يراد به حق . بل مع حق يراد به حق .

قيم الموضوع
(1 تصويت)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه