«شقلبانو» الجماهير

بقلم الكاتب حمزة مصطفى كانون1/ديسمبر 06, 2023 81

«شقلبانو» الجماهير

الكاتب حمزة مصطفى

لا يزال كتاب “سايكولوجيا الجماهير” للمفكر الفرنسي غوستاف لوبون الذي كتبه في القرن التاسع عشر يقرأ حتى اليوم. السبب الذي يكاد يكون هو الرئيس في أن يحتل هذا الكتاب هذه الأهمية على صعيد الفكر الإنساني على كثرة ما كتب في حقول قريبة مما تناوله لوبون وظهور مفكرين وفلاسفة تناولوا مثل هذه الظواهر أن لوبون اختص بسلوك الجمهور النفسي والوقائع والأحداث التي تؤثر فيه، أي علم نفس الجماهير لكنه التقط زوايا في ذات الإنسان تجعله واحدا في كل أنحاء العالم وفي كل العصور مع أن الكتاب صدر قبل نحو 150 عاما. الوقائع اللاحقة تشير الى كيفية تفاعل الجماهير مع الأحداث بدون توظيف مسبق أو كيفية توظيف الجماهير ضمن رؤية مسبقة من الطرف وهنا على الأرجح الزعيم الذي يكون قادرا على توظيف الجماهير سلبا أو إيجابا. وهنا لابد من الإقرار أن الجمهور يختلف حتى على صعيد تصنيفه النوعي والكمي حسب لوبون وهو ما يعني إنه خاضع لتغيير المزاج في اية لحظة. غوستاف لوبون يرى أن من خصائص الجماهير النفسية هي “ تلاشي الشخصية الواعية، وهيمنة الشخصية اللاواعية”. وربما هذه أخطر طرق التوظيف لجهة الاستفادة من هذا الخاصية النفسية. التفاتة أخرى مهمة على هذا الصعيد حيث إنه طبقا لتصنيف لوبون فإن الجمهور هو أدنى مرتبة من الإنسان المفرد فيما يخص الناحية العقلية والفكرية وهو ما يعني إنه بسبب غلبة ما هو لا واعٍ على ما هو واعٍ يبقى قابلا للتوظيف حسب الأهواء والأمزجة.
بعد استعراض مكثف لجوهر كتاب لوبون الذي لم يعد يقل عنه إثارة الآن سوى كتاب “نظام التفاهة” للمفكر الفرنسي الكندي الآن دونو بترجمته الرائعة للدكتورة مشاعل الهاجري لابد من الوقوف عند جمهورنا العراقي الذي رافقنا تحولاته على الأقل عبر العقود الستة الماضية باختلاف العهود والأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم البلاد. وبين عصر الجماهير الذي يسميه غوستاف لوبون ونظام التفاهة الذي ينطبق على أنظمة عصرنا في عصر ما بعد الحداثة وتغول الرأسمالية التي حولت الإنسان الى الة فإننا حيال تحولات خطيرة في كيفية التعامل مع المفاهيم والأفكار وسياقات تطبيقها. لكنه ومع التركيز من قبل القراء والمثقفين على هذين الكتابين فإن هناك كتابا آخر مهما لم يأخذ حيزه من الاهتمام ربما لصعوبته المعرفية والفلسفية لدى القارئ العادي وهو كتاب “الإنسان ذو البعد الواحد” للمفكر الأميركي الألماني هربرت ماركوز الذي صدر عام 1964. وبالرغم من يسارية ماركوز الذي ركز نقده على الرأسمالية الأميركية والشيوعية السوفياتية لكنه يبقى أحد روافد الفكر الإنساني في مجال العلاقة بين الفكر والإنسان.
بالعودة الى الجمهور العراقي وتحولاته فإنني على المستوى الشخصي أجد إنه نمط من جمهور مختلف لا تنطبق عليه كثيرا المفاهيم أو الأفكار التي انطبقت بشكل أو بآخر على جمهور آخر في بلدان أخرى. ففي العهود القديمة وبالذات العهد السابق كان “القائد” هو الذي يحرك الجماهير التي بقيت 35 سنة تهتف “بالروح بالدم” لكن ما أن سقط تمثاله في ساحة الفردوس عصر التاسع من نيسان 2003 سارعت الجماهير الى رميه بكل ما كان تحت يديها. الآن وبعد عشرين عاما من التغيير وفي ظل عصر الديمقراطية وحرية التعبير وما شاكل ذلك نجد أن القادة والزعماء والسياسيين حتى من الدرجة الثالثة والرابعة باتوا يجدون مساحة من التأثير على جمهور معين لغرض تحريكه بطريقة أو بأخرى. صحيح أن “الزبائنية” هنا حاضرة في كيفية التوظيف لكنها تبقى نقطة تثير الاهتمام. لكن ما يثير الاهتمام أكثر ان هذا الجمهور الزبائني وقادته المحليين من مختلف الأوساط الاجتماعية سرعان ما يعقد اتفاقا زبائنيا مع طرف آخر أو زعيم آخر ربما باستثناء جمهور عقائدي واحد يبقى خارج هذا التصنيف وهو جمهور التيار الصدري الذي يدين بالولاء دون حسابات مسبقة إنما لأسباب عقائدية ثابتة للسيد مقتدى الصدر. ماعدا هذا الجمهور الثابت الولاء والعقيدة فإن معظم التشكيلات الجماهيرية الأخرى تحدد نمط علاقتها مع أي زعيم او سياسي طبقا لقواعد أخرى من العمل والتعامل ليس من بينها الولاء.. لسواد أو زراق او خضار عيونه. بل لأغراض “شقلبانية” يتبادل فيها الأدوار الزعيم مرة والجمهور مرة أخرى.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه