قراءة استراتيجية لواقعة الحديبية

بقلم العقيد الركن المتقاعد عمر خلف حسن العكاب الجبوري.. كانون1/ديسمبر 06, 2023 248

بقلم العقيد الركن المتقاعد عمر خلف حسن العكاب الجبوري..

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين الاول من ذي القعدة سنة 6 هجرية من المدينة متوجها الى مكة لاداء العمرة.

سبب الواقعة:

ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام وهو في المدينة , انه هو واصحابه دخلوا المسجد الحرام , واخذ مفاتيح الكعبة , وطافوا واعتمروا , وحلق بعضهم وقصر بعضهم , فاخبر بذلك اصحابه انه معتمر فتجهزوا للسفر.

عدد المسلمين :

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زوجته ام سلمة ,واستنفر اهل البوادي والاعراب ليخرجوا معه فتحرك بعد ان ركب ناقته القصواء ومعه الف واربعمائة وقيل الف وخمسمائة , ومعه سلاح المسافر والسيوف في القرب.

الوساطة بين قريش والمسلمين:

بعد ان نزل المسلمون في الحديبية وارادوا ان تعلم قريش ان المسلمين لم ياتوا لقتال وانما جاؤوا ليعتمروا الى بيت الله ويزوروه فجاء اليهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة , وكانت خزاعة عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( موضع سره لايخفون عنه شيئا بمكة)من اهل تهامة,وبينوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان قريش تعتزم مقاتلته وصده عن البيت,فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : اننا لم ناتي لقتال احد , ولكن جئنا معتمرين,وان قريش قد نهكتهم الحرب واضرت بهم, فان شاؤوا ماددتهم ,ويخلوا بيني وبين الناس, وان شاؤوا ان يدخلوا فيما دخلوا فيه الناس فعلوا, والا فقد جموا ,وان ابوا الا القتال فالذي نفسي بيده لاقاتلنهم على امري هذا حتى تنفرد سالفتي , او لينفذن الله امره. قال بديل :سابلغهم ما تقول , فانطلق حتى اتى قريشا فقال لهم اني جئتكم من عند هذا الرجل و سمعته يقول قولا ,فان شئتم عرضته عليكم؟فقال سفهاؤهم لاحاجة لنا ان تحدثنا عنه بشيء, وقال ذو الراي منهم هات ماسمعته,قال: سمعته يقول كذا و كذا ..ارسلت قريش بعدها عدد من الرسل للتفاوض منهم مكرز والحليس.. وعروة بن مسعود،و كان آخرهم سهيل بن عمر الذي ابرم الصلح معه...وقد حدثت فيها بيعة الرضوان عندما بايع المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة لقتال الكفار حتى الموت وعدم الفرار عندما أتى المسلمين خبر ان رسولهم الى قريش عثمان بن عفان رضي الله عنه قد قتل..

أبرام الصلح:

وبعد ان عرفت قريش حراجة الموقف بادرت بالصلح,فاسرعت الى بعث سهيل بن عمر لعقد الصلح, وأكدت له ان لايكون في الصلح الا ان يرجع عنا عامه هذا, لاتتحدث العرب عنا انه دخلها علينا عنوة ابدا.فاتاه سهيل بن عمر , فلما راه صلى الله عليه وسلم قال:قد سهل لكم امركم, اراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل, فجاء سهيل فتكلم طويلا ,
ثم اتفقا على قواعدالصلح وهي:

1. الرسول – صلى الله عليه وسلم –يرجع من عامه ,فلايدخل مكة واذا كان العام القابل دخلها المسلمون فاقاموا بها ثلاثا , معهم سلاح الراكب, السيوف في القرب , ولاتتعرض قريش لهم باي نوع من انواع التعرض.

2. وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين, يامن فيها الناس,ويكف بعضهم عن بعض.

3. من احب ان يدخل في عهد محمد دخل فيه , ومن احب ان يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه , وتعتبر القبيلة التي تنضم الى اي الفريقين جزءا من ذلك الفريق, فاي عدوان تتعرض له اي من هذه القبائل يعتبر عدوانا على ذلك الفريق.

4. من اتى محمدا من قريش من غير اذن وليه – اي هاربا منهم رده عليه, ومن جاء قريشا ممن مع محمدا- اي هاربا منه- لم يرده اليه.

وأراد قسم من شباب قريش الطائش إشعال الحرب بعد أن هاجموا معسكر المسلمين الا ان المسلمون تمكنوا من القبض عليهم جميعا،وتم تسليمهم الى قريش حتى يعلموا ان المسلمين لم يأتوا لقتال..
وبعد ابرام الصلح وقبل العودة إلى المدينة امر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يذبحوا الهدي ويحلقوا رؤوسهم في الحديبية ولكنهم لم يفعلوا في باديء الأمر الا ان شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذبح وحلق كما اشارت اليه ام المؤمنين ام سلمة ..فذبحوا الهدي وحلقوا رؤوسهم..

تسليط الضوء على اهم الدروس المستنبطة من خلال القيادة الحكيمة والنظرة الستراتيجية في احداث وقعة الحديبية

1.على القائد ان يفاجيء العدو دوما, اما باساليب جديدة او معدات او اسلحة جديدة ,او تغيير في الخطط او استخدام طرق تقربية غير متوقعة او غير مألوفة عند العدو ليكسب المباغتة, وهذا ما مارأيناه في انتخاب الرسول صلى الله عليه وسلم طرق ومحاور غير متوقعة من قبل قريش خلال تقدم المسلمين الى مكة, مما مكنهم من عدم المصادمة مع فرسان خالد بن الوليد والذين كانوا متحشدين على محور التقدم .

2.الاعتماد على استخبارات في كل مرحلة من مراحل التقدم من المدينة الى مكة وبتوقيتات منضبطة في الوقت المناسب, حيث لافائدة من معلومة تصل متأخرة.

3.استخدام عناصر كشافة امام القوة المتقدمة يساعد على عدم وقوع الجزء الاكبر منها في موقف بغير صالحها , وكما يعطي القائد المرونة باتخاذ القرار الصحيح والسليم دون الوقوع تحت ضغط وتاثير العدو بشكل مباشر او زج قطعاته في موقف صعب , وهذا الذي تم العمل به من قبل قيادة جيش المسلمين خلال هذه الوقعة.

4. توخي الهدف الرئيسي والاهتمام به ,وعدم الانجرار الى المواقف الجانبية التي تؤدي الى عدم الوصول اليه او منع تحقيقه ,او تحاول عرقلته كما هو الحال في مواجهة الشباب الطائش من قريش عندما هاجموا المسلمين في معسكرهم في الحديبية في محاولة لأفشال الصلح.

5.النظر الى المصالح العليا وليس الى الآنية منها , فهناك في بنود الاتفاقية من يشاهده على انه تنازل لصالح كفة قريش, ولكن صاحب الهدف الاستراتيجي يراه نصرا لكونه واثقا من نفسه ومن مشروعه وممن يلتحق معه , وهذا ماتم ذكره في البند الخاص باعادة المشركين الذين يسلمون من قريش بغير اذن ,وفي نفس الوقت عدم قبول اعادة المرتدين عن الاسلام ممن يلجؤون لقريش.

6. في المواقف الصعبة يجب على القائد التفكير بطريقة من خلالها يتم شحذ الهمم ورفع حالة الاستعداد القتالي لدى مرؤوسيه , وهذا مارأيناه عند اشاعة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه سفير المسلمين الى قريش ,حيث اعلن رسولنا الكريم والقائد المهيب صلى الله عليه وسلم البيعة للقتال وعدم الفرار مهما كان الثمن, فكانت بيعة الرضوان وانزل الله تعالى في ذلك قرآن يتلى(انَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) سورة الفتح.

7. قد تكون الاوامر في بعض من الاوقات تحتاج الى مزيد من العناية والتعديل والصبر ليس في جوهرها وانما بشكلها واسلوبها وطريقة تنفيذها,كما وان الاستئناس بالرأي الآخر مهم وحيوي للاطلاع من خلاله على وجهة نظر المرؤوسين او المعية , فيجري من خلال ذلك الوصول الى الغاية التي من اجلها صدرت تلك التوجيهات, وهذا ما ظهر عندما امر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بان يحلقوا ويذبحوا الهدي, ولكن لم يقم احد بذلك ,وعندما طلبت سيدتنا ام المؤمنين ام سلمة ان يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم اولاً امامهم ,فعندما فعل ذلك بادر المسلمون بفعلهم وقاموا وعملوا كما امرهم النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك.

8. الوفاء بالعهود والمواثيق حتى مع الاعداء, وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم, صادقا ,امينا, وفيا, مع نفسه ومع المسلمين من حوله , لابل حتى مع اعدائه,وهذا ماشهدناه من خلال الوقوف عند بنود الاتفاقية التي تم ابرام الصلح فيها مع قريش, وقد كان وفيا وامينا قبل بعثته, فكيف واصبح قائدا ونبياً فانه رمز الصدق , والعفة ,والامانة ,والوفاء, والطُّهر, بابي هو وامي ونفسي صلى الله عليه وسلم , وهذا كان سبب لاسلام الكثير من اعدائه . وقد اسلم في مطلع السنة السابعة للهجرة عمر بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة .

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه