" رحم الله من عرف قدر نفسه "

بقلم الكاتب والباحث د.حسن السراي كانون1/ديسمبر 06, 2023 86

الكاتب والباحث
د.حسن السراي

الأخلاق سجايا وطبائع تعكس مباديء وقواعد تنظم سلوك الناس والمجتمعات وأفعالهم سواء كانت خيراً حسناً وتضعهم في مكانة منيفة راقية تعلوها آثال المجد والشرف ، أو شراً وقبحاً مؤطراً بكل غوائل الشر الوبيل وأقصى درجات الهوان . وفي كلتا الحالتين يتمترس الصنفان أعلاه خلف أفكار أقل ما يقال عنها أنها إيديولوجيا جينية وأفكار عتيقة تتوارثها الأجيال وتتوشح بها القلوب والعقول قبل الوجوه ، عقول نيرة مفتوحة بها مغالق الخير والسلام والحرية، وعقول مؤصدة فاسدة تعتمد الأفكار المتهاوية والمستهلكة والنافقة أحياناً بسبب محدودية التفكير والقصور العقلي . وبين هذا وذاك تتولد وتنمو ثقافات تتصادم خلافياً في مغارب الدنيا ومشارقها . وغالباً ما تأخذ هذه الأفكار طابعاً دينياً أو سياسياً أو عقائدياً وإيديولوجياً وأقليمياً وطوائفياً وغير ذلك ، وكل يتوق لما يصبو إليه متبعاً أساليب عدة أوسعها وأشهرها أسلوب البروباغندا وتلميع وتزيين صورة الرديء السيء وتشويه وتسطيح صورة الأصيل في أحايين عديدة تتعدى ذلك الى تعتيم الصورة وتجهيل الناس ونشر النفاق والتضليل والمداهنة المقيتة. وكانت حصة البلدان العربية والإسلامية من مآلات الأمور وتلك المتناقضات كبيرة جداً بحيث تمترس شخوصها خلف تلك المتناقضات والخلافات العقائدية العتيقة وأفضى ذلك الى التصادم والإقتتال وإهراق الدماء للأسف الشديد إنطلاقاً من ترهات وأباطيل وأكاذيب ما أنزل الله فيها من سلطان، تحمل في طياتها كل ضروب غوائل وسخائم الشر الوبيل الباخع والتي من المؤكد توقع سخائم الشر والخراب وتدمير وشائج نسيج المجتمععات وتضع الطرف الآخر في أتون الحيف والجور والظلم وتدخله في ديجور ظلام دامس ينذر بأقسى ضروب وأشكال الخطر، يستخدم الطرف الأقوى في المعادلة غالباً أسلوب الغطرسة والتطاوس والقفز على حقوق الطرف الآخر الأضعف، وأحياناً يلغيها متعكزاً على شعارات وعقد عتيقة، وأحياناً مستحدثة لكنها تستمد وجودها من أبستمولوجيا (Epistemology) مشوهة لا معرفية وغير واقعية وغير صحيحة في مواضيعها وفرضياتها ونتائجها وقوانينها، ولكن يتم من خلال ذلك العمل على إبراز إيديولوجياتها العتيقة البالية المسربلة تاريخياً التي أكل الدهر عليها وشرب وإعطاءها القدسية والمكانة العظمى. وقيل سابقاً (ليس من المنطق أن تتباهى بالحرية و أنت مكبل بقيود المنطق). وفي ظل هذه المقدمات نجد أن الكثير يذهب بعيداً في النصح والإرشاد والتوجيه على عمل الخير والمحبة والعدل وعدم إغتصاب حقوق الآخرين ووو وتحسب أنه حقاً داعية وهو في حقيقته يناقض نفسه فترى خلف ذلك وجهاً آخراً مختلفاً تماماً عما يظهره ويتظاهر به. وكثيرا ما نرى من يحث الناس على عدم التدخين وهو مدمن على التدخين، ومن يحث على إعطاء اليتيم حقه وهو يغتصب حقوق شقيقاته أو أمه أو أبناء أخيه من ميراث، وهناك من يتظاهر ويمنع تناول الخمرة وهو يمارس كل الموبقات كإحتساء الخمر وأرتياد المراقص الليلية، ومنهم من يطلق اللحية ويرتدي العمامة ويدعي التدين والورع والتقوى وهو بعيد كل البعد عن ذلك ، ومنهم من يرتدي العقال والعباءة ويدعي المشيخة ويسخرها للباطل والحرام والإنحياز للظلم وللباطل ، وهناك من يصدع رؤوسنا من خلال الفضائيات بشأن محاربة الفساد ويدعي النزاهة وهو غارق حتى هامة رأسه بالفساد والرشوة والأختلاس وووو. وأيضا نجد من يدعي الوطنية ويجاهر بحب العراق وأن العراق في حدقات عيونه وفي قلبه ولكنه مستعد لبيع العراق وأهله بوريقات خضر حقيرة ، ومنهم من ينادي بالإصلاح وهو غول وحوت في الخراب، ومنهم من يدعي الرهبنة والزهد والتصوف والتعفف وهو من أفسد الفاسدين، ومنهم من ينادي ويطالب يتطبيق الدستور والقانون وهو أول من يخرق الدستور والقانون علناً وفي الأضواء لا خلفها ، كما نجد مسؤولا يلعن سلفه وهو ليس بأفضل منه . وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة . رحم الله إمرءاً عرف قدر نفسه . ورحم الله الصادق الصدوق . ورحم الله صاحب الوجه الواحد الذي لا يغير وجهه تلوناً كالحرباوات ولا ينزع جلده ورداءه . ورحم الله من كانت كلماته كما هي على قلبه ولسانه ولا يتقافز طمعاً بالمال والمنصب والجاه . ولعن الله كل من حنث باليمين وباع أو يبيع العراق وشعبه وأرضه وماءه وسماءه ويصطف مع أعدائه. ومن الأمور الملفتة للنظر نجد اليوم أن مواقع التواصل الاجتماعي تفيض بالسباب والشتائم لأبسط الأشياء وتؤجج العداوات والتحريض وتتبع العورات، وإثارة النعرات. وما لا يمكن تصوره أن تصدر هذه الأخلاق المشينة عن قلب سليم، أو نفس مطمئنة ، أو من مقتد بنبي الرحمة، ونبراس الأخلاق السامية، الذي امتدحه مولاه بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم) .
والقلب السليم هو الذي لا يتعلق به شك ولا شرك، ولا يغشاه حسد، ولا حقد، سلم من العداوة والبغضاء، يحب للناس الخير، ويتمنى لهم الخير والسعادة. وللأسف يغفل كثيرون عن قلوبهم، ويهتمون بنظافة أجسادهم، وبواطنهم مليئة بسخائم الأخلاق، ويعطرون ملابسهم، ودواخلهم نتنة الرائحة. أن مداواة القلوب أهم وأوجب من الإهتمام بالمظهر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) .
وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم : (التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره (ثلاث مرات) وفيه: إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم)، وأشار بأصابعه إلى صدره. الإصلاح والخير يبدأ من النفس قبل الآخر ، رحم الله من عمل بذلك ، ورحم الله شاعرنا أبا الأسود الدؤلي القائل :
لا تنهَ عن خلقٍ وتأتي مثله
عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه