أنا وسعيد والخاتم الفضي

بقلم حكيم مرزوقي كانون1/ديسمبر 12, 2023 74

أنا وسعيد والخاتم الفضي


شخصيا أديت مثل هذه الأدوار في أوقات الحاجة والعوز مكتفيا ببعض القروش، ودون أن أضع أي شرط مني غير أن يعطوني أجري قبل أن يجفّ عرقي.

"كومبارس ذكي"
"كومبارس ذكي" هي التسمية “المهذبة” التي يطلقها أصحاب المهن التمثيلية على أولئك الماثلين ـ وليس الممثلين ـ أمام الكاميرا التلفزيونية والسينمائية وعلى خشبات المسارح في مشهد أو مشهدين.

وتُكتب أسماء هؤلاء عادة، في زحمة الشارة النهائية للفيلم السينمائي أو المسلسل التلفزيوني أو حواشي البروشور المسرحي، على عكس “ضيف الشرف” الذي يشترك مع “الكومبارس الذكي” في صغر مساحة الدور، لكنه يحظى بالاحترام والتبجيل، ويكتب اسمه في الشارة الرئيسية مع أصحاب أدوار البطولة.

ويكون “ضيف الشرف” غالبا، من نجوم الفن أو حتى من الشخصيات الشهيرة في مجالات أخرى كما هو الشأن بالنسبة للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، في فيلم “الآخر” للمخرج المصري يوسف شاهين.

أصحاب الأدوار الناطقة من “الكومبارس الذكي” يُكلفون عادة بكلمة أو كلمتين على شاكلة “سمعا وطاعة يا مولاي” في الأعمال التاريخية أو بدور الطبيب الذي يخرج من غرفة العمليات، ينزع كمامته ويقول لأهل المريض “نحن عملنا اللي علينا والباقي ع ربنا”.

شخصيا أديت مثل هذه الأدوار في أوقات الحاجة والعوز مكتفيا ببعض القروش، ودون أن أضع أي شرط مني غير أن يعطوني أجري قبل أن يجفّ عرقي.

وبالعودة إلى “الكومبارس الناطق” فإن جاري سعيد قد شرفني بالدعوة إلى حضور افتتاح الفيلم الذي يشارك فيه بجملة كاملة غير منقوصة أمام نجم سينمائي شهير.

ارتدى سعيد بدلة سموكن، تعطر، دون أن ينسى خاتمه الفضي الشهير، بينما اكتفيت أنا بالكرفتة كي أشاركه فرحته دون أن أسرق النجومية منه وهو يبتسم لجميع الحضور يمينا وشمالا، ويحيي “زملاءه” النجوم على المقاعد الأولى.

بدأ عرض الفيلم وجلست مع سعيد في الظلام ننتظر اللقطة التي “ستكسر الدنيا” كما قال لي، في مشهده مع بطل الفيلم. وما انفك سعيد يهمس لي: بعد قليل سأظهر في مشهد النادل في المطعم وأقول للبطل “هل تريد شيئا آخر يا أستاذ؟”.. كم كان ذلك رهيبا ومفعما بالإحساس.

كانت أعناقنا مشرئبة إلى الشاشة التي سيملؤها سعيد بعد قليل بحضوره وجملته التي تدرب عليها طويلا في يوم تصوير شاق، وأعادها عدة مرات، ليس بسبب تقصير منه بل لأن ذلك النجم هو الذي كان يعكّ وينسى.

جاء مشهد البطل في المطعم وهو يطلب قدحي ويسكي مع حبيبته.. الآن سيظهر سعيد وهو يقول جملته الشهيرة.

ظهر قدح الويسكي في لقطة تملأ الكادر وتحبس الأنفاس، وظهرت أصابع سعيد بخاتمها الفضي الشهير. همس سعيد بصوت سمعته القاعة “انظر.. هذا خاتمي الفضي”، ولكن دون وجهه.. أين وجه سعيد؟ أين جملته الشهيرة؟ اللعنة.. لقد اقتطعها المونتاج، لكننا قرأنا اسمه واضحا في شارة نهاية الفيلم تحت دوي التصفيق.

حضرنا كوكتيل حفل افتتاح الفيلم مع الضيوف والنجوم، وانتشينا كثيرا أمام الكاميرات وتحت الأضواء: أنا وسعيد والخاتم الفضي الشهير.

حكيم مرزوقي
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه