غزوة خيبر

بقلم العقيد الركن المتقاعد عمر خلف حسن الجبوري كانون1/ديسمبر 27, 2023 161

العقيد الركن المتقاعد عمر خلف حسن الجبوري

تعتبر خيبر مدينة كبيرة ذات حصون يسكنها اليهود ,تبعد عن المدينة بين ستين او ثمانين ميلا (97كم-153 كم) شمالا,وقد كانت وكر للدسائس والتآمر على المسلمين ,فاصبحت هدف المسلمين وخاصة بعد عقد صلح الحديبية , فبعد ان اقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم , خرج في بقية المحرم من السنة السابعة للهجرة الى خيبر.

قوات الطرفين

جيش المسلمين
فعندما اراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج الى خيبر,واعلن ان لايخرج معه الا راغب في الجهاد,فلم يخرج الا اصحاب الشجرة وهم الف واربعمائة .

جيش اليهود
كان عدد اليهود في غزوة خيبر عشرة الاف مقاتل موزعين في ثمانية حصون,وقد ارسل راس المنافقون عبد الله بن ابي الى يهود خيبر : ان محمد قصد قصدكم وتوجه اليكم,فخذوا حذركم,ولاتخافوا منه ,فان عددكم وعدتكم كثيرة,وقوم محمد شرذمة قليلون,عزّل لاسلاح معهم الا قليل,فلما علم ذلك اهل خيبر,ارسلوا كنانة بن ابي الحقيق وهوذة بن قيس الى غطفان ,يستمدونهم , لانهم كانوا حلفاء يهود خيبر , ومظاهرين لهم على المسلمين, وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر ان هم غلبوا على المسلمين.

ميدان المعركة
كان ميدان المعركة عبارة عن حصون منقسمة الى شطرين

1.الشطر الاول
ويتالف من خمسة حصون
أ.حصن ناعم
ب. حصن الصعب بن معاذ
ج.حصن قلعة الزبير
د.حصن أبي
ه.حصن النزار
والحصون الثلاثة الاولى تقع في منطقة يقال لها( النطاة)واما الحصنان الآخران فيقعان بمنطقة تسمى الشق.

2.الشطر الثاني
ويعرف بالكتيبة ويتالف من ثلاثةحصون:
أ.حصن القموص(كان حصن بن ابي الحقيق من بني النضير)
ب.حصن الوطيح
ج.حصن السلام
وهناك حصون وقلاع اخرى ولكنها صغيرة لم يتم ذكرها.

قراءة في اهم احاث غزوة خيبر وماسبقها واعقبها من نشاط

1. ان المتتبع لاحداث السيرة سيرى جليا ان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج الاحداث وفق رؤية وستراتيجية ناجعة, فبعد الانتهاء من صلح الحديبية واستقرار الموقف بشكل مقبول مع قريش, جاء الدور لمعالجة جناح اليهود في خيبر والذين يشكلون تهديدا مباشرا بين فترة واخرى للمدينة , فكانت هذه المعالجات وفق نظرة وتخطيط متقن ,وعلى شكل مراحل يتم تنفيذها بدقة وبخطوات محسوبة , لقد عمل صلى الله عليه وسلم بكل مبادئ الحرب المعروفة , وكان يعد كل متطلبات القتال , رغم انه مؤمن بان النصر من عند الله وكما ذكر ذلك اللواء الركن محمود شيت خطاب رحمه الله , فكانت النتائج واضحة كالشمس في كبد السماء.

2. ان المناورة هي احد الوسائل للحصول على المباغة سواء التعبوية او العملياتية , ويشهد التاريخ العسكري ان الانتصارات الكبيرة تحققت نتيجة الاستخدام الصحيح لها,فمن خلالها يمكن الاستفادة من الاجنحة المكشوفة والتي لايتوقع العدو مهاجمتها او التقدم باتجاهها, لقد كان دخول جيش المسلمين الى خيبر من جهة الشمال اي من جهة الشام وليس من جهة المدينة والنزول بوادي الرجيع امر في غاية الاهمية, حيث يمنع من خلاله فرار اليهود الى الشام , وكذلك يمنع طرق نجدتهم من قبل القبائل التي تساندهم من ذلك الاتجاه ,وهذا كان سبب في عدم مساندة غطفان لهم,وهذا الذي حدث فعلا بحكمة القيادة العليا للمسلمين والمتمثلة بالنبي القائد صلى الله عليه وسلم.

3. على القائد الناجح ان يطور في اساليبه القتالية واسلحته وبمايتلائم وطبيعة المعركة حيث يفاجيء عدوه دوما بها, فاستخدام مبدأ الحصار كان نموذج ناجح لمعالجة الحصون التي يدافع من خلالها اليهود في خيبر, وكانت تعتبر اسلوب جديد في القتال , فلأول مرة يتم مواجهة مثل تلك الاهداف ,ورغم ذلك كانت النتائج مبهرة ,وكذلك استخدام آلات المنجنيق لايقاع الخلل في جدران الحصن تمهيدا لاقتحامها وكما حصل في حصن النزار, فقد تم معالجة تلك الحصون الواحد تلو الآخر بالصبر والحنكة والشجاعة.

4. تعتبر عملية انتخاب القائد امر مهم وجزأ كبير لنجاح العملية العسكرية , فكان لانتخاب القادة من قبل النبي صلى الله عليه بالغ الاثر , حيث سلم الراية للامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه الذي مكنه الله من قتل القائد اليهودي مرحب صاحب حصن ناعم، ويعتبر اول حصن من حصون اليهود , فبدات تتهاوى الحصون الواحد بعد الآخر, حيث كان اليهود ينتقلون من كل حصن يقع بايدي المسلمون الى الحصن الذي يليه, ولا شك ان الذي يترك مكانه في القتال لينسحب الى الخلف سيكون في حالة معنوية ضعيفة وسيؤثر على بقية القطعات من حوله ايضا, وهذا مالمسناه من خلال التجارب العديدة في المعارك , واذكر في المواجهة مع القوات الامريكية المحتلة في قاطع الناصرية عام 2003م فالمقاتلين الذين اشتركوا هناك وانسحبوا باتجاه قطعاتنا الماسكة على محور (العمارة- الاصلاح- الناصرية) حاولت ان لا اشركهم في الموضع الدفاعي الذي نشغله , كونهم سيؤثرون بشكل سلبي على بقية القوة نتيجة انسحابهم من معركة سابقة. وهذا الذي حصل في حصون خيبر واكيد كان له تاثير كبير في وقوع باقي الحصون بايدي المسلمين.

5. ان تقديم المشورة امر مهم ,فان احد مسؤوليات هيئة الركن كما تعلمناه من خلال دراستنا الاكاديمية العسكرية هو تقديم المشورة للقائد عند طلبها او عند اغفال عامل مهم منها , وهذا ما لمسناه من قبل الصحابي الحباب بن المنذر الانصاري عندما طلب من النبي صلى الله عليه وسلم تغيير معسكر المسلمين الذي كان قريب جدا من حصن نطاة , حيث اشار الى ان اليهود موجودين فيه وانهم يستطيعون معرفة احوال المسلمين من خلال مراقبتهم لكونهم في مكان مشرف وكذلك يستطيعون التاثير على المسلمين بسهامهم ,وان المسلمين غير قادرين على الرد ولكونهم في ارض وخيمة ومنخفضة ومكان غائر , فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تبين ان ذلك الرأي يصب في مصلحة المسلمين فتم تحويل المعسكر,والحباب بن المنذر كان ايضا صاحب المشورة في معسكر المسلمين يوم بدر واخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المشورة الصائبة في وقتها ايضا.

6. يعتبر استثمار الفوز اواستثمار النصر امر حيوي في المعارك , لكون القطعات تتمتع بحالة معنوية عالية ,وان العدو في نفس الوقت بحالة لايحسد عليها وانه غير قادر على ادارة معركة دفاعية ناجحة ,فقد استثمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك النصر في خيبر , فكانت فدك حصيلة ذلك, كما تم استئناف العمليات في المناطق القريبة من خيبر لتشمل مناطق وادي القرى هناك ,وكذلك تيماء الذين ارسلوا الى النبي صلى الله عليه وسلم يعرضون عليه الصلح.

7.المبادأة دائما تجعل العدو يفكر بما نقوم به ونخطط له ,وان اعماله ستصبح ردود افعال تجاه تحركاتنا وخططنا وليس العكس ,وهذ يمكن تحقيقه من خلال العمليات التعرضية الناتجة عن معلومات دقيقة, وهذا ماشاهدناه من خلال عدم توقف العمليات التعرضية ضمن محيط المدينة لابل قد تعدت ذلك الى مناطق بعيدة مثل سرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى تربة وهي منطقة على بعد 4 ميل عن مكةعلى طريق صنعاء,وسرية غالب بن عبد الله الليثي ضد بني عوال وبني عبد بن ثعلبة بناحية نجد,وسرية بشير بن سعدالانصاري الى يمن وجبار في ارض لغطفان وقيل لفزارة, وسرية ابي حدرد الاسلمي الى الغابة, وسرايا كما اسلفنا باتجاهات مختلفة وبواجبات متعددة اشغلت الاعداءوجعلتهم دوما متأهبين لمواجهة تلك التحركات , نعم المدينة اصبحت مركز وغرفة عمليات كبرى تدار بها الخطط وترسل منها البعوث والسرايا وتنطلق منها الغزوات , نعم انها مركز القيادة الاسلامية الحكيمة التي كانت بقيادة نبينا وقائدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

8.لايمكن لاي قائد ان يربح الحرب دون الحصول على معلومات عن عدوه ,وليس هناك عملية عسكرية يكتب لها النجاح ان لم يسبقها عملية استطلاع, وقد يجري الاستطلاع بوسائط مختلفة ,من خلال الخرائط او الطائرات بانواعها سواء المقاتلة او السمتية او المسيرة, اوحتى الصور الفوتوغرافية التي دخلت في الحرب الحديثة عن طريق الاقمار الصناعية,وكذلك الاستطلاع الالكتروني من خلال استخدام المعدات الالكترونية للحصول على المعلومات , وعندما يستهدف الاستطلاع الحصول على اهداف حيوية سواء اقتصادية او عسكرية تخص امكانيات العدو السوقية من قوات ومصانع ومخازن واسلحة في العمق فيسمى هذا الاستطلاع استطلاع استراتيجي, ولكن عندما يتيسر الوقت والظروف يكون الاستطلاع المباشر الشخصي ذات قيمة كبيرة خاصة للوحات المقاتلة التي تعمل على الارض,لكونه سوف يعطي المعلومات الاكثر دقة عن طبيعة الارض ومعلومات عن العدو .

فقد اولت القيادة الحكيمة للمسلمين الاهتمام بهذا الجانب المهم , فقد كانت البعوث والسرايا والغزوات مصدر رئيسي للحصول على المعلومات , فقد طبقت تلك المقولة ( ماضاع جهد في الاستطلاع) فالمعلومة التي تحصل عليها اليوم قد تكون ذات فائدة كبيرة مستقبلا , لان القائد الناجح هو من يمتلك سبق النظرفي كل شيء , فقد لايتيسر دوما الوقت للحصول على معلومة تحتاجها بشكل فوري, ان لم تكن قد امتلكتها بوقت سابق , وهذا مايتميزبه القائد الناجح , فمن خلال تكليف تلك السرايا بالواجبات وباتجاهات مختلفة واماكن متعددة يتم جمع المعلومات من خلالها , فاصبحت اغلب تلك المناطق ممسوحة معلوماتيا , سواء باتجاه شمال المدينة نحو الشام , او باتجاه الشرق نحو نجد او الجنوب نحو مكة , وكذلك باتجاه الغرب نحو البحر الاحمر, فمن خلال ذلك اصبح لديهم قاعدة معلوماتية يمكن الاستفادة منها لاي واجب مقبل او محتمل او قد تكون محاور للتقدم في عمليات لاحقة, فاصبحت المناطق معروفة وكذلك طبيعة السكان المحليون ومدى تاثيرهم ضمن المناطق التي يقطنونها .

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه