قليل من السياسة.. كثير من الطمأنة للمستثمرين في تونس

بقلم مختار الدبابي كانون2/يناير 07, 2024 87

قليل من السياسة.. كثير من الطمأنة للمستثمرين في تونس


الاستثمار الخليجي هو قشة النجاة لتونس، وهو استثمار سخي ومؤثر لكنه استثمار متقلب وحساس ويحتاج إلى طمأنة فعلية.

اهتمام سعودي بالاستثمار في تونس
سيطرت قضايا السياسة على تونس في السنوات التي تلت ثورة 2011 بشكل كبير وغطت على ملفات أكثر أهمية وجدوى بالنسبة إلى الناس. حان الوقت من أجل أن يتم تعديل المعادلة وتلتفت الحكومة إلى مهمتها الأصلية، وهي بناء اقتصاد قادر على مواجهة الأزمات، خاصة بعد إجراء مختلف صنوف الانتخابات وتركيز المؤسسات الدستورية الخاصة بمنظومة البناء القاعدي التي يعتمدها الرئيس قيس سعيد.

ينظر الناس إلى الانتخابات كمدخل إلى مرحلة جديدة بقطع النظر إن كانوا في صف البناء القاعدي أو ضده، مع الرئيس سعيد أو محايدين، وما أكثرهم.

ولا يمكن التفكير في الاقتصاد من دون التركيز على الاستثمار الداخلي والخارجي، الذي هو القاعدة لأيّ نجاح، فهو يضخ الأموال بالعملة المحلية والعملة الصعبة بالشكل الذي ينعش ميزانية الدولة ويجعلها قادرة على تأمين حاجيات الناس وتقديم الخدمات الضرورية لهم، وهو كذلك المدخل الأكثر فاعلية لحل أزمة البطالة والتخفيف عن القطاع العام، الذي لم يعد قادرا على توظيف أعداد جديدة بسبب سياسة الإغراق التي عاشها في السنوات الماضية.

وفي ظل الظروف الاقتصادية الدولية الحادة يتراجع الاستثمار الأوروبي في تونس. وإلى حد الآن يراوح الاستثمار الجزائري مكانه، ولم تخرج الرغبة الجزائرية في مساعدة تونس من دائرة الوعود. كما أن نوايا الاستثمار الليبية ما تزال متعثرة لاعتبارات داخلية في ظل غموض أدوات الحل السياسي في الجارة الجنوبية لتونس.

◙ يبقى الطريق الأكثر واقعية أمام تونس هو الاستثمار الخليجي، والفرصة مواتية للتقدم خطوات نحوه وتشجيعه وفتح الطريق أمامه وتبديد العقبات لاستقطابه

يبقى الطريق الأكثر واقعية أمام تونس هو الاستثمار الخليجي. لكن المشكلة ليست في هذا الاستثمار ولا في القائمين عليه. المشكلة في تونس التي لم تتعاف بعد من مخلفات مرحلة تضخيم السياسي وإعطائه الأولوية في التفكير والبرمجة وقياس كل شيء على مقاسه.

الفرصة مواتية للتقدم خطوات نحو الاستثمار الخليجي وتشجيعه وفتح الطريق أمامه وتبديد العقبات لاستقطابه، خاصة أن السعوديين قد جاؤوا إلى تونس وعرضوا أفكارهم وقبلهم جاء الإماراتيون وفتحوا الباب أمام المشاريع الاستثمارية. الجميع يريدون مساعدة تونس على مغادرة مربع الأزمة. والكرة في مرمى تونس، فماذا ستقول لهؤلاء، وأي تسهيلات ستقدمها؟

فهم المستثمرون الخليجيون أن تونس عادت إلى وضعها المستقر كما كان قبل 2011، وأن مرحلة الصراع السياسي والمزايدات قد ولّت، ولذلك جاؤوا إلى تونس ومن حقهم أن يسمعوا من الحكومة، ماذا تريد وما هي خططها، وكيف ستتفاعل معهم من أجل تشجيعهم على الاستثمار في تونس بدلا من الذهاب إلى أماكن أخرى.

وأكد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر بن إبراهيم الخريف، على هامش اللجنة المشتركة بين البلدين نهاية العام الماضي، البحث عن فرص استثمارية وامتيازات تشغيلية في تونس خاصة أنها تزخر بثروات معدنية مهمة كالحديد والنحاس والرصاص واحتياطي كبير من الفوسفات. وأوضح بندر بن إبراهيم الخريف أن المملكة تتطلع إلى أن تكون شريكا فاعلا في الحراك الاقتصادي الذي تشهده تونس، من خلال البحث عن الفرص الاستثمارية للقطاع الخاص، بهدف الرفع في مستوى التبادل التجاري بين البلدين.

وقبل السعوديين جاء الإماراتيون وطرحوا إنجاز المشاريع الاستثمارية. وفي أغسطس الماضي التقى وزير الدولة الإماراتي الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان مع الرئيس التونسي، وناقشا العلاقات الثنائية والفرص والإمكانيات لتطويرها ودفعها إلى الأمام.

وأكد الشيخ شخبوط بن نهيان حرص قيادة دولة الإمارات على الوقوف إلى جانب تونس وحكومتها وشعبها، فضلا عن تعزيز العلاقات بين البلدين واستثمار الفرص المتاحة لدفع آفاق التعاون المشترك في القطاعات كافة.

وكان وزير الخارجية التونسي نبيل بن عمار قد قام بجولة خليجية في يوليو الماضي شملت الكويت والإمارات والسعودية بهدف البحث في سبل الحصول على الدعم الخليجي لتونس. وكان عمار صريحا وواضحا خلال استقباله من الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، فقد قال إن تونس تواجه تحديات مركبة، وإنه يجب دعم الاقتصاد التونسي لمواصلة المسار التصحيحي الذي يقوده الرئيس سعيد. وهذه هي المرة الأولى منذ 25 يوليو 2021 التي يطلب فيها مسؤول تونسي بالتصريح، وليس التلميح، دعما من دولة عربية لمساعدة بلاده على الخروج من أزمتها.

صحيح أن مشكلة الدعم المالي المباشر تعترضها صعوبات خاصة في ظل التزام دول الخليج بربط التمويلات بموافقة صندوق النقد الذي لديه خلافات مع تونس. لكن الاستثمارات الخليجية لا تعترضها موانع سياسية ولا تدخّل فيها لصندوق النقد، وهي فرصة للحكومة التونسية لاستعادة ثقة المستثمرين الخليجيين وإحياء المشاريع الكبرى التي توقفت بعد الثورة بسبب الفوضى التي سادت البلاد ودفعت إلى تراجع المستثمرين والأموال الإماراتية.

◙ فهم المستثمرون الخليجيون أن تونس عادت إلى وضعها المستقر وأن مرحلة الصراع السياسي والمزايدات قد ولّت، ولذلك جاؤوا إلى تونس

لم يعد هناك مبرر للشك من الجهتين في جدوى الرهان على الاستثمار الخليجي. تونس عرفت بعد تحركات في اتجاهات مختلفة أن فرص الحل مع الخليج وليس غيره، خاصة أن الشريك الأوروبي ليس في أفضل أحواله ولديه أزمات مختلفة تشغله عن الاتجاه نحو تونس. والخليجيون بدورهم لم تعد لديهم شكوك في أن تونس تجاوزت المرحلة الصعبة التي عاشتها، وأن خطاب العداء للدور الخليجي قد اختفى باختفاء مسبباته.

في مارس من العام 2022، أعطت مجموعة بوخاطر إشارة قوية لعودة الاستثمارات الإماراتية إلى تونس بإعلانها عن استئناف مشروع المدينة الرياضية بالعاصمة التونسية. وتبلغ التكاليف التقديرية للمشروع الضخم خمسة مليارات دولار. ويشمل المشروع أكاديميات رياضية وفنادق وملاعب غولف و49 فيلا كبيرة وفاخرة على مساحة تمتد على نحو 250 هكتارا شمال العاصمة التونسية. ويتوقع أن يوفر المشروع الآلاف من فرص العمل للشباب.

الاستثمار الخليجي هو قشة النجاة لتونس، وهو استثمار سخي ومؤثر، لكنه استثمار متقلب وحساس ويحتاج إلى طمأنة فعلية وإلى أن تتغلب حكومة أحمد الحشاني على البيروقراطية، وأن لا تسقط في ما سقطت فيه دول أخرى بالنظر إلى المال الخليجي على أنه سهل ويمكن الاستحواذ عليه والمماطلة في تسديده أو تسديد مرابيحه. هذه العقلية الانتهازية دفعت الخليجيين إلى وقف مسار المساعدات والدعم الذي كان يقدم لبعض الدول العربية والاكتفاء فقط بالاستثمارات.

يأتي الاستثمار عادة حين يتوفر مناخ من الثقة والوضوح. وعلى تونس أن تبدد مخاوف لدى الكثير من الأصدقاء من أن الأموال التي قد تأتي يمكن أن تبدد في حل مشاكل الأجور والزيادات والخدمات الإدارية والبروباغندا السياسية والحزبية وإجراء الانتخابات، ما جعل المانحين يشترطون الحصول على خطط واضحة لتوظيف تلك الأموال ووجود جهة مراقبة وضامنة مثل صندوق النقد الدولي.
مختار الدبابي
كاتب وصحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه