أزيح الستار عما كنا نعتقده ديمقراطية

بقلم الكاتب عبدالله البقالي كانون2/يناير 08, 2024 174

أزيح الستار عما كنا نعتقده ديمقراطية

الكاتب عبدالله البقالي

أن تضطر إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن ، إلى تخطي الكونغرس وتجاوزه للمرة الثانية في مدة وجيزة جدا ، لتمرير صفقة أسلحة ضخمة إلى حكومة الاحتلال الإسرائيلي في أسرع آجال ممكنة ، هذا يؤشر بكل تأكيد على أن مسار الحرب في غزة ليس كما تريده إسرائيل وأمريكا، مما فرض التجاء إدارة البيت الأبيض الأمريكي لإسناد حليف أكثر من استراتيجي، يوجد في وضعية حربية في غاية الصعوبة إلى إعمال مسطرة استثنائية، تدوس على أهم مؤسسة تشريعية في دولة تعرض نفسها رائدة في الممارسة الديموقراطية ، وفي احترام المؤسسات والحق والقانون .
والأكثر من ذلك، أن إدارة الرئيس الأمريكي تدرك مسبقا أن لا أحد في الكونغرس ، و لا في غيره من المؤسسات في الولايات المتحدة ، قادر على فتح ثغره للجهر بمعارضته تجاه كل ما تطلبه حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي تعي مسبقا أن الموافقة على صفقة أسلحة للربيبة إسرائيل، لن تتطلب أكثر من بضعة دقائق للموافقة عليها بالإجماع داخل الكونغرس، ومع ذلك لم يكن أمام هذه الإدارة متسعا من الوقت، ولو كان بضعة ساعات، لتمكين حكومة الاحتلال الإسرائيلي مما تحتاجه في حرب الإبادة التي تشنها قواته ضد المدنيين في غزة، من معدات وذخيرة حربية وعتاد وأسلحة دمار .
هذا الاستعجال في تمرير أحد أهم الصفقات العسكرية من طرف الإدارة الأمريكية، له وجه آخر تعاند الولايات المتحدة الأمريكية وأتباعها من الدول الغربية في التستر عليه، ويتمثل في أن الاحتلال الإسرائيلي يواجه مقاومة باسلة و متمكنة غيرت المعطيات والحقائق، وأن تخليص الاحتلال الإسرائيلي من إعلان الهزيمة في حرب ليست مسبوقة، فرضت على البيت الأبيض الالتجاء إلى مسطرة الاستثناء في الموافقة على صفقة عسكرية ضخمة، لتجنيب الكيان الإسرائيلي البحث عن حل آخر لورطته غير الحل العسكري. والأكيد أن اضطرار البيت الأبيض إلى تجاوز المؤسسة التشريعية لتلبية طلب مستعجل للاحتلال الإسرائيلي، لم يكن تصرفا شاذا، لأنه يندرج في سياق الدعم العسكري و البشري والتقني والديبلوماسي والإعلامي الأمريكي لتمكين الاحتلال الإسرائيلي من اقتراف جرائم الإبادة الجماعية في حق المدنيين، خصوصا الأطفال و النساء منهم ، في ظروف ملائمة مريحة له ، ولكنه مع كل ذلك يكشف عن حجم الدعم الذي تتطلبه الحرب ضد المقاومة الفلسطينية لكي تضمن واشنطن استمرار الحرب على الأقل، وأنه لو تركت إسرائيل وحيدة في هذه الحرب لكانت القضية الفلسطينية حسمت بشكل نهائي بزوال الكيان الإسرائيلي.
هكذا يتبين ويتضح أن الديمقراطية الأمريكية ليست بالصورة التي يتم الترويج لها، بل إنها في غاية الهشاشة، بحيث يستطيع رئيس الدولة الذي يعتبر جهازا تنفيذيا، تجاوز المؤسسة التشريعية، دون أن يسمع صدى لأية معارضة في صفقة تهم السلام في العالم، ويعيد الكرة في مدة وجيزة، ولا فاه يفتح إلا عند أطباء الأسنان. والمؤكد أن التجاوز سيتكرر للمرة الثالثة والرابعة وللمرة المائة من أجل سواد عيون الربيب المذلل.
هذه الهشاشة الديمقراطية التي كشفها صمود الشعب الفلسطيني في غزة، تتجلى أيضا في التعتيم الإعلامي الذي لازم الصفقة وما يحيط بالحرب القذرة بصفة عامة، حيث وعلى غير المعتاد تم تهريب الصفقة من التداول في وسائل الإعلام الأمريكية التي تتعامل بشح كبير مع الأحداث في غزة. حيث وفي سلوك يكاد يكون غير مسبوق تختزل وسائل الإعلام الأمريكية كل اهتمامها بحرب الإبادة في غزة، في مجرد أحداث عابرة لا تحظى بما تستوجبه من اهتمام، بالنظر إلى خطورتها و تأثيراتها على الأوضاع في المنطقة ، وعلى السلام العالمي.
مقابل ذلك، تولي اهتماما كبيرا جدا للحرب الروسية الأوكرانية. هذه الهشاشة في الممارسة الديموقراطية تكشف من جهة أخرى عن قوة حضور وتأثير اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية التي أضحت رهينة أوساط الضغط هذه، وأن الهشاشة تكمن أساسا في أن المؤسسات السياسية والعسكرية الأمريكية لا تملك قراراتها السيادية بيدها، بل هناك مواقع أخرى تنوب عنها في اتخاذ هذه القرارات.هكذا يكون صمود غزة قد أزاح الستار عن مسرحية الديمقراطية فيما كنا نعتقده أحد أهم معاقلها في العالم.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه