توقفوا عن نسب نجاح المرأة لغير مجهودها

سارة طالب السهيل

الجد والاجتهاد والذكاء والتعلم المستمر للمرأة لتطوير أدواتها وتوظيف مواهبها في اثبات ذاتها وتحقيق طموحاتها عمليا ، لا يشفع لدى المجتمع العربي المعاصر كي يعترف بنجاحها ومجهودها وذكائها وينسب شرف هذا النجاح اليها ، بل غالبا ما ينسب نجاح المرأة في أي من مجالات الحياة العلمية والعملية والسياسية الأدبية الى
دعم زوجها أو والدها أو لجمالها  ونسبها او مالها أو حتى للكوتة السياسية و اكثر من يلصق هذه الاسباب لنجاح امراة هي امراة اخرى اقل نجاحا منها او رجل يشعر بالنقص وعدم الثقة بالنفس و المنجزات التي لم ينجزها.
وهذا يفرغ هذا النجاح من مضمونه ، ويسلب حق المرأة في الفخر والاعتزاز بجهودها وقدرتها على تحدي الصعاب لتحقيق طموحاتها ونجاحها فيه ، وفي ذلك اجحافا متعمدا للتقليل من شأن المرأة ونبوغها لصالح تفوق الرجل في غياب صريح
للعدالة .
والغريب في الامر ان المرأة تتمتع بإرادة قوية وعندما تضع نصب أعينها هدفا فإنها تظل ورائه مهما كلفها الامر من مجهود وطاقة حتى تصل إلى تحقيقه ، وهي في ذلك لا تسعى الي منافسة الرجل في عمله او أدواره اطلاقا ، بل هي تنظر ذاتها وتستشعر كوامن الطاقات العقلية والفكرية والابداعية التي وهبها  الله من كنوز ومواهب فتسعى الى تطويرها واخراجها الى النور وتوظيفها في عمل يشبع احتياجها لتحقيق الذات والتفوق ، بغض النظر عن أية عوامل نفسية اخرى او اية نظرة اجتماعية قد تنتقد تطلعاتها .
يحفل التاريخ الانساني بنماذج نسائية  تكشف قدرات المرأة على الصبر والتحلي بالإيمان ، كما في قصة آسيا بنت مزاحم الذي ذبح فرعون ابنيها ، وأوتد لها أوتادا فشد يديها ورجليها استعدادا لقلتها بينما ذكائها الحاد في النظرة المستقبلية في الجنة جعلها تدعو الله  ( رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ) متحملة صنوف العذاب حتى لقت ربها ضاحكة بمقعدها من الجنة وسط ذهول فرعون وحاشيته .
فعندما تملك المرأة اليقين لا تهاب شيء وتثق في قدرة الله على حمايتها وتحقيق أحلامها ، كما حدث في قصة هاجر زوجة خليل الله ابراهيم  عندما تركها مع طفلاهما الصغير نبي الله اسماعيل في أرض لا زرع فيها ولا ماء ، ليختبر الله قدرتها على الصمود والايمان واليقين بالله ، وعندما سألت زوجها ألله أمرك بهذا ، اي ان تضعنا في هذه الصحراء الموحشة بمفردنا فأجابها نعم فقالت بعين اليقين اذن لن يضيعنا ، وهذا اليقين بالله والصبر في قلبها كان سببا في خروج ماء زمزم الشافي من الأمراض لكي نشربه بإذن الله حتى يومنا هذا .
بموجب ذلك ، فانه لا يجب حصر الذكاء والعبقرية في علوم محددة أو مواهب بعينها  ، فالعبقريات متنوعة الاشكال والمواقف والخبرات ، والصبر واليقين من النجاح اذا استقرا  في قلب المرأة وعقلها فإنها تتحول إلى أسد جسور يعبر التحديات و يتخطى النيران ليصيب هدفه ويحقق نجاحات مذهلة اسوة بالرجل دونما منافسة منها له ، بل هو استجابة لحاجة نفسية وعقلية تشبعها وتسعدها .
وهتاك من النساء عبر التاريخ من أوتين الحكمة والحنكة السياسية والادارة الناجحة  “  بلقيس “ ملكة سبأ وخبرتها بشئون السياسة والادارة واعتمادها  مشاورة وزرائها برغم خبرتها في عرض نبي الله سليمان بأن تسلم لأمره وتنقاد ، وخشيتها على قومها من التعرض للذل والمهانة اذا حاربوا سليمان وجنوده  .
فهذه الرؤية السياسية والخبرة بالإدارة والخوف على الوطن التي تتراسه يعكس عبقرية بلقيس ملكة سبأ .
و “ زينب تا فنزوات،” أشهر النساء الأمازيغيات في عهد المرابطين و” إحدى نساء العالم المشهورات بالجمال والرئاسة ” ولقبها ابن خلدون .  بزوجة الملوك ، ومن أجلها بنى السلطان أبي بكر بن عمر اللمتوني مدينة مراكش ، واستكمل يوسف بن تا شفين، الذي اتخذها زوجة له فيما بعد ، بناء العاصمة مراكش . عرفت بمهندسة توسع دولة المرابطين ومثبتة أركان الدولة المرابطية التي اخترقت شبه الجزيرة الإيبيرية وسيطرت على بلاد الأندلس .
أما “ خناثة بنت بكار “ ، زوجة المولى إسماعيل وأم السلطان عبد الله بن إسماعيل . هي أول امرأة تتولى الوزارة في المغرب وفي التاريخ الحديث ابان حكم الدولة العلوية ق 18، وساهمت سياسيا في صلح السلطان عبد الله مع قبائل الودايا ، ونسب إليها تثبيت اتفاقية السلام والتجارة مع بريطانيا العظمى ، وفقا لما ذكرته المراجع الإنجليزية  باسم “كوينتا”.
مع استعراض بهذه النماذج البسيطة لذكاء المرأة ونجاحاتها وجدنا أن الازمان القديمة  كانت تحتفي بإنجاز المرأة ولا تهدره ولا تسلبها فخرها به ، بل انها كانت تفخر بمنجز المرأة وتفوقها في أي من الميادين العلمية والعملية والفكرية والسياسية .
بينما ونحن في الألفية الثالثة للميلاد ، الذي قطعت فيه المرأة أشواطا كبيرة في التعلم  ، فإنها تعاني من جاهلية اجتماعية وثقافية متعمدة تقصيها من قائمة الشرف الذي تستحقه ومن الاعتزاز بنجاحها الخاص الذي هو نتاج تعبها .
فهذا مرض اجتماعي وثقافي خطير ينخر في المجتمعات العربية ويعكس الرغبة الكامنة في الانفس البشرية في اضطهاد المرأة ووصمها بقلة الذكاء لصالح طغيان العاطفة لديها ، وهوما ينبغي معالجته فورا حتى تستقيم أخلاق المجتمع ويعطي كل ذي حق حقه من التقدير والانصاف .
وعمليا أثبت تقرير صادر عن مكتب أنشطة أصحاب العمل في منظمة العمل الدولية ، ان مشاركة المرأة للرجل في مجال الاعمال يحسن نتائج الاعمال التجارية ويجتذب ذوي الكفاءات ، التقرير معنون ب " المرأة في الأعمال التجارية والإدارة : دراسة جدوى التغيير" استطلعت آراء 13 ألف شركة في 70 بلداً . وقد اتفق أكثر 57 % منهم علي أن مبادرات التنوع بين الجنسين حسنت نتائج الأعمال التجارية وأن الأرباح زادت بنسبة 5-20 بالمئة .
وفي تقديري ، ان احترام المجتمع لنجاح المرأة هو احترام لقيم المجتمع في العدل والمساواة ، وعندما يمنحها المجتمع حقها في النجاح وابرازه فان ذلك يكرس قيم الثقة في النفس لدى المرأة  ويشجعها على مزيد من بذل الجهد لنجاحها ونجاح مجتمعها معا .
 

قيم الموضوع
(0 أصوات)
سارة السهيل

كاتبة وشاعرة عراقية

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه