أذربيجان على حافة هلال سلم يحتوي إيران

بقلم د. هيثم الزبيدي كانون2/يناير 22, 2024 54

أذربيجان على حافة هلال سلم يحتوي إيران


احتواء إيران لا يعني بالضرورة شن حرب عليها أو الإصرار على الصدام مع الموالين المحليين لها. نموذج العلاقة الإماراتية - الأذرية مهم فالبلدان متقاربان وينسقان معًا في الكثير من أطر العلاقات.
هلال سلم في مواجهة المشروع التوسعي الإيراني
قبل بضع سنوات تلقيت دعوة لحضور أمسية في البرلمان البريطاني عن آفاق الاستثمار في أذربيجان. كان لافتا انتباه المنظمين الأذريين لأهمية الإعلام العربي عبر توجيه دعوات لمؤسسات صحفية عربية مهاجرة، إلى جانب السياسيين ورجال المال والإعلاميين البريطانيين. لا بد من الاعتراف بأن الأمسية كانت لحظة لفت انتباه فارقة لي ولغيري. فعلى مدى سنوات طويلة ظل العالم –ومن ضمْنه عالمنا العربي- يتعامل مع الجمهوريات السوفييتية السابقة كشيء واحد متشابه. وساعد الإهمال الإعلامي الغربي لتلك الجمهوريات، وانعدام الاهتمام السياسي والإعلامي العربي بها، على صناعة صورة جامدة عن شريط الجمهوريات الممتد من الصين إلى القوقاز.

الصدمة الأولى كانت بمستوى الحضور الأذري. ليلى علييفا ابنة الرئيس إلهام علييف تقدمت الأمسية، وتحدثت بلباقة عن بلدها وما يمكن أن يقدمه للمستثمرين. لم تكن السيدة علييفا شابة جميلة فقط، بل كانت أنيقة بشكل لافت. زادت دهشتي عندما علمت أنها متزوجة من مطرب مشهور. مثل هذه المعطيات تجعلك تعيد النظر في أذربيجان، المصنفة ضمْن الجمهوريات الإسلامية والمجاورة لإيران، رأس التشدد في العصر الحديث. تذكرت أن الأذريين الإيرانيين ممن درست معهم في لندن، كانوا يختلفون كثيرا عن بقية الإيرانيين من فرس وعرب وبلوش وأكراد، بالشكل وفي طريقة الحياة. كانوا أكثر انفتاحا على الرغم من أنهم إيرانيون. لكن اختلاف الأذريين من أبناء جمهورية أذربيجان الشابة كان استثنائيا، بما يكفي لأن تعود من الأمسية وأنت تسعى للمزيد من استكشاف عالم أذربيجان.

◙ مثل كل مشروع توسعي يحاول الإيرانيون اجتياح الدول التي تقف مثل قلاع سياسية واقتصادية تمنع من إرساء مشروعهم، ولعل النموذج الإماراتي في الخليج من أهم الأمثلة على هذا الصمود

رغم أن الأذريين مسلمون (75 في المئة شيعة و20 في المئة سنة)، إلا أن أذربيجان لا تصنف نفسها دينيّا، ويعدها المراقبون أكثر الدول الإسلامية علمانية. فالتأثير السوفييتي كان كبيرا في إعادة صياغة علاقة الأذريين بالدين. ولعل التصنيف الأهم لديهم هو كونهم من أصول تركية، وهو ما يجعلهم أقرب إلى تركيا منهم لإيران التي تشترك معهم مذهبيا. وخلال الحروب الأخيرة في ناغورني قره باغ ومحاولة الأغلبية الأرمنية في الإقليم الانفصال عن أذربيجان، كان الدعم التركي العسكري حاسما في انتصار الأذريين، في حين كان الإيرانيون أقرب إلى الأرمن.

هذا يجعل لأذربيجان خصوصية كبيرة. فهذا البلد الغني بالنفط والغاز والكثير من الثروات الطبيعية الأخرى، هو النموذج المضاد للمشروع الطائفي الإيراني. ولعل الأذريين ينصتون إلى إخوتهم من الإيرانيين من الأقلية الأذرية، ويدركون ماذا يعني العيش في دولة دينية بحس قومي فارسي، حتى وإن كانت أذربيجان شيعية مذهبيّا. النصر الذي تحقق للأذريين على الانفصاليين كان أيضا رسالة قوية إلى إيران يفيد مضمونها بأن على حدودها الشمالية بلدا يعتز بحسه القومي التركي وبعلمانية متميزة تلامس أدق تفاصيل حياة الأذريين، بلدا ليس بصدد الانجذاب نحو الفلك الإيراني.

ما يحدث في الشرق الأوسط هو تغير عميق غير مسبوق. فمنذ هزيمة العراق في حرب تحرير الكويت عام 1991 ثم الغزو الأميركي للعراق وسقوط النظام عام 2003، تمكنت إيران من تشييد عالمها الخاص القائم على مشروعها القومي – الديني – المذهبي. اختلفت مسميات هذا العالم -ابتدأنا بمسمى الهلال الشيعي- لكن الأساس هو إقامة عالم تتحكم فيه إيران بشكل كبير. هو عالم تحول إلى استمرارية جغرافية تربط إيران بالبحر المتوسط عبر العراق وسوريا ولبنان وغزة، وبإطلالة طبيعية على الخليج وامتداد متصاعد على البحر الأحمر وخليج عدن. هذه الاستمرارية الجغرافية هي وجه من أوجه تشييد الإمبراطوريات القديمة، لكن بمعطيات عصرية تترك للميليشيات الولائية المختلفة في عدد من الدول مهمة السيطرة على الحكم مع الإبقاء على مسمى الاستقلال الشكلي، ولكن بولاء شبه مطلق لطهران.

وعند الأخذ بعين الاعتبار تنويعات مصادر قوة تلك الدول، من قوى بشرية وموارد نفط وغاز وانتشار جغرافي، نجد أن الإمبراطورية المذهبية الإيرانية تعيش أزهى أيامها. ومما يعزز هذا الازدهار في الحضور والنفوذ بالنسبة إلى إيران هو التردد الأميركي في التعامل حتى مع حالات العدوان التي تقف وراءها إيران بشكل مباشر. ولنا في هجمات المُسيّرات وصواريخ كروز على المنشآت النفطية السعودية أمثلة، وكيف أن تركها بلا عقاب جعل العالم ملزما بأن يواجه ما يحدث في البحر الأحمر بحجة الحرب في غزة.

مثل كل مشروع توسعي، يحاول الإيرانيون اجتياح الدول التي تقف مثل قلاع سياسية واقتصادية تمنع من إرساء مشروعهم. ولعل النموذج الإماراتي في الخليج من أهم الأمثلة على هذا الصمود. فبدلا من أن تميل دول الخليج إلى النموذج الديني الإيراني، أو تكون المواجهة على أساس مذهبنا ومذهبكم، صار أساس التصدي للتوسع الإيراني هو التنمية والتسامح والانفتاح. هذا ما نراه الآن يحدث في الانفتاح السعودي، أو -وهو ما يعدّ من المفارقات- في المواكبة العمانية للنموذج الإماراتي بكل الخصوصية العمانية وبكل التقارب السياسي مع إيران.

◙ ما يحدث في الشرق الأوسط هو تغير عميق غير مسبوق. فمنذ هزيمة العراق في حرب تحرير الكويت ثم الغزو الأميركي للعراق، تمكنت إيران من تشييد عالمها الخاص القائم على مشروعها القومي – الديني – المذهبي

تحتاج مواجهة التمدد الإيراني إلى أكثر من وسيلة، بعضها بالفعل الواضح والنموذج المضاد، وبعضها الآخر بالتأكيد على أثر الاحتواء الجغرافي. عندما أحس الباكستانيون بأن وهم القوة الإيرانية هو الذي دفع طهران إلى توجيه ضربات في عمق باكستان، ردوا فورا بهجمات مضادة جعلت إيران تسارع إلى تهدئة الموقف معهم. دول الخليج ترد بشكل مختلف وتحاول أن تقدم النموذج المضاد القائم على الرخاء والتنمية بعيدا عن التشدد الأيديولوجي الذي كان لفترة أساس المواجهة (وهابية مقابل تشيع). أما تأثير الاحتواء الجغرافي فهو بارز وملموس في حالة أذربيجان، الثرية والمتشابهة مع إيران مذهبيا، لكنها تستخدم العلمانية والحس العرقي التركي في مواجهة إيران. وهو ما يشبه النموذج العراقي في الثمانينات ولكن من دون تهور.

احتواء إيران لا يعني بالضرورة شن حرب عليها أو الإصرار على الصدام مع الموالين المحليين لها. نموذج العلاقة الإماراتية – الأذرية مهم. فالبلدان متقاربان وينسقان معًا في الكثير من أطر العلاقات. وخلال سنة التقى زعيما البلدين، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والرئيس إلهام علييف، ثلاث مرات، مرتيْن في الإمارات ومرة في أذربيجان. وخلال زيارة الشيخ محمد بن زايد الأخيرة لباكو، تم توقيع العديد من مذكرات التفاهم المشتركة التي أكدت على التنسيق الإستراتيجي والاقتصادي وعلى العمل معًا لضمان السلم في المنطقة.

هلال السلم الناعم الذي يتشكل في مواجهة المشروع التوسعي الإيراني ضروري ومهم. هذه دول واثقة من متانة جبهاتها الداخلية، لكنها في الوقت نفسه تعرف خطورة ما تقوم به إيران. التقارب بينها ضروري والتحرك الاستباقي بالتنسيق المشترك على مختلف الأصعدة يدفع طهران إلى التفكير مرات قبل أن تحاول تكرار تجاربها “الناجحة” في الهيمنة على الدول واقتيادها إلى الخراب. أذربيجان على الحافة الشمالية الشرقية من هذا الهلال.

د. هيثم الزبيدي
كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه