قراءة في إنهاء الوجود العسكري الأميركي بالعراق

نهاد الحديثي

ذكرت ثلاثة مصادر إن الولايات المتحدة نقلت استعدادها لبدء المحادثات إلى الحكومة العراقية في رسالة سلمتها السفيرة الأميركية بالعراق آلينا رومانوسكي لوزير الخارجية العراقي فؤاد حسين, وأشارت المصادر الثلاثة إلى أن الولايات المتحدة أسقطت بهذه الخطوة شروطا مسبقة بأن توقف فصائل عراقية مسلحة مدعومة من إيران الهجمات عليها أولا,, ومن المتوقع أن تستغرق المحادثات عدة أشهر، إن لم يكن أكثر، غير أن نتيجتها ليست واضحة كما أن انسحاب القوات الأميركية ليس وشيكا , وتقول الحكومة العراقية ان المحادثات حول مستقبل الوجود العسكري الأميركي اصبحت الآن أكثر إلحاحا وسط عدم الاستقرار الإقليمي على نطاق أوسع، ووسط الدعوات العامة المتزايدة من قبل الحكومة العراقية للولايات المتحدة لسحب قواتها من البلاد, عقب أحدث الضربات التي وجهتها واشنطن ضد الميليشيات المدعومة من إيران في العراق، وقال متحدث باسم رئيس الوزراء في بيان إن الضربات تقوض الاتفاقيات ومختلف قطاعات التعاون الأمني المشترك" حيث يعمل البلدان على إعادة تشكيل العلاقة المستقبلية
وتنشر الولايات المتحدة 2500 عسكري في العراق لتقديم المشورة والمساعدة للقوات العراقية لمنع عودة تنظيم الدولة الإسلامية مجددا بعدما سيطر على مساحات شاسعة من العراق وسوريا في 2014 قبل هزيمته لاحقا,, كما ويوجد أيضا مئات العسكريين من دول أخرى أغلبها أوروبية في العراق في إطار التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والذي تأسس لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية, ويشهد العراق، وهو من الدول القليلة التي تعد حليفة لكل من طهران وواشنطن، تصاعدا في الهجمات المتبادلة بين فصائل مسلحة والقوات الأميركية منذ اندلاع الحرب في غزة، إذ تسعى الفصائل إلى الضغط على الولايات المتحدة بسبب دعمها لإسرائيل
نشرت شبكة إخبارية أميركية تقريراً حول الأسباب التي تجعل الولايات المتحدة الأميركية تحتفظ بقوات عسكرية في العراق بعد 20 عاماً من غزوه, وقالت الشبكة إن الولايات المتحدة الأميركية تحتفظ بقوات صغيرة في العراق (تقول إنها لمهام غير قتالية)، بعد عقدين من غزوه ليكون لها وجود دائم يؤكد استمرار علاقاتها العسكرية وشراكتها الدبلوماسية مع دول محورية في الشرق الأوسط,, وتابعت أن عدد القوات الأميركية الموجودة في العراق يقدر بـ 2500 جندي منتشرون في أماكن متفرقة وخاصة في بعض المنشآت العسكرية في بغداد وشمالي البلاد,, ولفتت الشبكة إلى أنه رغم الفارق الكبير بين حجم الوجود الحالي للقوات الأميركية وبين ما كانت عليه في السابق، إلا أن الحفاظ على وجود دائم في العراق يمثل أهمية كبيرة لواشنطن لإظهار التزامها تجاه المنطقة في مواجهة إيران
ومن المعروف ان العراق والولايات المتحدة وقعا عام 2008، اتفاقية أمنية نصت على أن تنسحب القوات الأمريكية من العراق بتاريخ لا يتعدى 31 كانون الأول/ سبتمبر 2011، في حال عدم اتفاق الطرفين على تمديد بقائها,, وبالفعل انسحبت القوات الأمريكية في الموعد المحدد، بعد فشل المفاوضات التي جرت بين الطرفين للإبقاء على جزء منها في العراق
في أيلول/ سبتمبر 2014 تشكل التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة» (داعش) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وقد وفر دخول العراق عضوا في هذا التحالف، الإطار القانوني الذي أتاح للقوات الأمريكية، وبعض قوات التحالف الأخرى، العودة إلى العراق للقيام بمهمات قتالية، من دون أن يكون هناك أي إطار قانوني يحكم وجودها. والمفارقة في هذا الصدد أن أحدا لم يعترض حينها على هذا التفويض المفتوح، حتى وكلاء إيران في العراق أنفسهم!
ومراجعة الوقائع بين أيلول/ سبتمر 2014، وأيار/ مايو 2019 تكشف أن هذه القوات لم تتعرض أبدا إلى هجوم أو اعتداء خلال هذه الفترة، ولكن بداية من 19 أيار/ مايو 2019 بدأت صواريخ الكاتيوشا تتوجه نحو السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، فضلا عن أهداف أمريكية أخرى. وكان واضحا أن هذا الاستهداف لا يرتبط بوجود القوات الأمريكية التي مر على وجودها أكثر من أربع سنوات، بل ارتبط أكثر بسياق المواجهة الإيرانية الأمريكية التي بدأت مع خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران في أيار عام 2018، ثم حزمة العقوبات الأمريكية التي فرضت على إيران في نوفمبر/تشرين الأول 2018.
ومع كل رسائل الكاتيوشا، والخطابات مرتفعة الصوت حول سحب هذه القوات، بالتحديد بعد مقتل سليماني ـ المهندس في كانون الثاني 2020، لم يصدر عن الحكومة العراقية أي قرار بسحب القوات الأمريكية من العراق، ما عدا قرار من مجلس النواب صدر في يناير 2020 يدعو لسحب هذه القوات، وقد كان هذا القرار دعائيا لا قيمة دستورية أو قانونية له وغير ملزم للحكومة العراقية! ولم تُقدم الحكومة العراقية على تقديم طلب للانسحاب من التحالف الدولي ضد «داعش» الذي هو المقدمة الضرورية لسحب القوات الأمريكية من العراق، بل جرت مفاوضات ثنائية بين الطرفين انتهت إلى الإعلان عن «انتهاء المهمات القتالية للقوات الأمريكية في العراق» في تموز 2021، مع استمرار بقاء جزء من هذه القوات لتولي مهام تدريب الجيش العراقي وإمداده بالاستشارات العسكرية,, لكن مسلسل الاستهداف المقنن للقوات الأمريكية لم يتوقف، واستمر حتى لحظة أداء حكومة محمد شياع السوداني، اليمين الدستورية في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2013، حيث توقف تماما على مدى عام تقريبا، ثم استؤنف ثانية في سياق الحرب على غزة.
وجاء في تقرير لموقع، "واشنطن ايكزامنر " وموقع "فوكس كوم الاميركيين"، ان رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، كان قد اعلن في تصريحات له بان الحكومة ستباشر قريبا العمل على طلب بسحب قوات التحالف الدولية التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش في العراق، مشيرا الى ان تبريرات تواجدها بسبب تهديدات داعش قد انتهت وان الحكومة بصدد تحديد موعد لبدء العمل في تشكيل لجنة مشتركة لوضع ترتيبات لإنهاء وجود قوات التحالف الدولي في العراق على نحو دائم, ويذكر محللون ومراقبون انه من غير الواضح فيما اذا سيتمكن السوداني والكتل السياسية الداعمة لفكرة اخراج القوات من ان يتمكنوا فعلا من اخراج قوات التحالف بقدر ما قد ينجحون في تحجيم قدراتها وصلاحياتها في تنفيذ العمليات في البلد والمنطقة على نحو أوسع، مشيرين الى ان السوداني، الذي يتعرض لضغوط داعية لإخراج القوات الأجنبية، يدرك في قرارة نفسه حجم المساعدة التي قدمتها القوات الأميركية ومعها قوات التحالف الأخرى في مواجهة تهديدات تنظيم داعش ومنع عودة ظهوره من جديد
وحذر السياسي الشيعي المستقل، غالب الشابندر، من «الأزمات» التي سيخلقها الانسحاب الأمريكي من العراق، مبينا أن العراق «سيتقسم» فور إعلان الانسحاب الأمريكي,, وقال الشابندر إن «القوات الأمريكية وفور انسحابها من العراق ستتمركز في كردستان بطلب كردي، وكذلك بطلب سني في غرب العراق ضمن قاعدة عين الأسد,, وأضاف أن نتائج الانسحاب ستكون كارثية على جنوب ووسط العراق بعد إعلان أمريكا الحرب الاقتصادية على غرار سوريا وإيران ولبنان وإقامة الحصار الاقتصادي الذي سيؤدي إلى القتل بالشارع بسبب المجاعة,, ويرى السياسي العراقي أن الأمن سيفقد في المحافظات الوسطى والجنوبية نتيجة عدم قدرة القوات العراقية على ردع العدوان الخارجي أو التدخلات، فضلا عن امتناع الجانب الأمريكي على تسليم العراق المعدات والأسلحة الضرورية,, موقف القوى السياسية الشيعية من القوات الأمريكية في العراق ليس محكوما بمبدأ أو إيديولوجيا بقدر ما هو موقف يتعلق بعاملين بحسب محللين مختصين بالشأن السياسي : الأول الحاجة الفعلية لتلك القوات كما حصل في سياق الحرب على «داعش» والثاني مرتبط بتحولات العلاقات الأمريكية الإيرانية من جهة، والمصالح الإيرانية في الإقليم من جهة ثانية,, ويشير محللون بأن هذا التباين بين مواقف وخطابات الفاعل السياسي الشيعي في العراق من وجود القوات الأمريكية، إنما يثبت شيئا واحدا، هو أنه ليس هناك قرار إيراني نهائي بخروج القوات الأمريكية من العراق في الوقت الحالي، وأنه ليس هناك إرادة حقيقية لدى الأطراف الشيعية العراقية الحليفة أو المرتبطة عضويا بإيران، لخروج هذه القوات، لأن إيران تدرك تماما أن إخراج العراق للقوات الأمريكية، يعني أن أمريكا ستلزم العراق بجميع العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وأن إيران لن تستفيد مجددا من الاستثناءات التي يحصل عليها العراق من الولايات المتحدة بشأن هذه العقوبات، وهي تخشى أيضا من أن الخروج القسري للقوات الأمريكية من العراق قد تستتبعه عقوبات أمريكية على العراق نفسه، وبالتالي ستكون إيران المتضرر الرئيس منه بسبب اعتمادها على التجارة مع العراق بشكل كبير.
من أجل كل ذلك، لن يكون هناك، في المدى المنظور، طلب رسمي من الحكومة العراقية بالخروج من التحالف الدولي ضد «داعش» أو طلب رسمي بخروج القوات الأمريكية من العراق، بل ستلجأ الحكومة إلى استنزاف الوقت لحين انتهاء الحرب في غزة لإعادة ترتيب أوراقها,, من جهة ثانية فإن الحكومة العراقية، وفقا للتقديرات العسكرية والأمنية، لاتزال تعتقد أن هناك ضرورة لوجود قوات التحالف الدولي ضد «داعش» في العراق، وهي تدرك أن طلب سحب القوات الأمريكية من العراق سيعني خروج العراق من هذا التحالف، وبالتالي خروج القوات الأجنبية الأخرى الموجودة في العراق وهو ما لا تريده هذه حكومة السوداني ,, ويذكر محللون ومراقبون انه من غير الواضح فيما اذا سيتمكن السوداني والكتل السياسية الداعمة لفكرة اخراج القوات من ان يتمكنوا فعلا من اخراج قوات التحالف بقدر ما قد ينجحون في تحجيم قدراتها وصلاحياتها في تنفيذ العمليات في البلد والمنطقة على نحو أوسع، مشيرين الى ان السوداني، الذي يتعرض لضغوط داعية لإخراج القوات الأجنبية، يدرك في قرارة نفسه حجم المساعدة التي قدمتها القوات الأميركية ومعها قوات التحالف الأخرى في مواجهة تهديدات تنظيم داعش ومنع عودة ظهوره من جديد
ويشيرموقع واشنطن ايكزامنر وموقع فوكس كوم, التوترات بين العراق والولايات المتحدة ترتفع لمعدل معين. ولكن سيكون مردود ذلك بالضرر على العراق وايران، لهذا ان ايران لا ترغب بالتصعيد لهذا الحد, وان ايران لا ترغب بالمضي قدما في صراعها مع الولايات المتحدة ، والسبب في ذلك انها لا تريد ان يتعرض العراق لضغوط وعقوبات اقتصادية حال طرد القوات الأميركية من البلد لان ذلك سيضر بها بالمقابل أيضا لوجود مصالح اقتصادية لها في البلد,, قرارالحكومة اظهر العراق، وفق المراقبين، بانه تابع الى ايران، فيما تسعى الحكومة الى اضفاء شرعية على القرار بأخذ رأي العراقيين بسؤال عبر رسائل الموبايل, واضافوا ان مستشاري رئيس الحكومة محمد السوداني، ورطوا الاخير في قضية اجلاء القوات الاجنبية، وستنعكس على زيارة متوقعة للسوداني الى امريكا

قيم الموضوع
(0 أصوات)
نهاد الحديثــي

كاتب وصحفي عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه