أبواب تونس بلا أقفال

بقلم حكيم مرزوقي شباط/فبراير 06, 2024 43

أبواب تونس بلا أقفال


لست أدري لماذا تصدرت كلمة “باب” أسماء أحيائنا القديمة في مدينة تونس، رغم أنها بلا أقفال ولا مفاتيح ولا حراس ولا أسرار ولا من يحزنون أو يكتمون.

لكل باب قصة وأكثر من سردية ورواية
أحمد الله أني أسكن حيّا شعبيا لا ينام، ولا حتى تأخذه غفوة، أنّاة الليل وطوال النهار، ذلك أنه يلبي جميع متطلباتي ويستجيب لكل رغباتي ونزواتي في أي وقت مستقطع.

إنه “سرّة المدينة” التي منها تنطلق وتعود كل الطرقات. وهو موطن أسرارها المكشوفة على الزائرين والغرباء، فلا تكاد تحفظ حيطانه حتى أدق الخلافات العائلية.. ما أصعب ـ وما أمتع ـ أن تعيش في مدينة بلا أسرار، رغم أسوارها المنيعة.

نعم سيدي، نحن مجتمع بلا أسرار، إذ يعرف كل فرد فيه ما أعده جاره من طبخة على مائدة العشاء بل ما يتقاضاه من راتب شهري وما ينفقه من مصروف يومي، وحتى ما يستجد من خلاف زوجي، فيبادرونه إلى طلب الصلح فور خروجه من باب منزله.

يعرفك الناس إن كنت في يسر أو عسر، من طريقة مشيتك ونبرة صوتك وأسلوبك في تحية الصباح، فلا مجال للتكتم وإظهار ما لا تبطن.

هذا جارك البقال يعلم من معاينتك للسلع والأسعار إن كنت ستستدين أم ستدفع بالتي هي أحسن، وكذلك الخضرجي، والسمكري والكهربجي، وحتى المرأة التي تلاطفها وتحاول كسب ودها.

لست أدري لماذا تصدرت كلمة “باب” أسماء أحيائنا القديمة في مدينة تونس، رغم أنها بلا أقفال ولا مفاتيح ولا حراس ولا أسرار ولا من يحزنون أو يكتمون.

لكل باب قصة وأكثر من سردية ورواية: باب الأقواس، باب البحر، باب البنات، باب الجديد، باب الجزيرة، باب سعدون، باب السويقة، باب سيدي عبدالسلام، باب العسل، باب العلوج، باب عليوة، باب الفلة، باب القرجاني، وباب المنارة الذي قيل عنه في المثل الدارج بأن قنديله لا يضيء إلا على “البراني”، أي على الغريب والقادم إليه من الخارج.

ولهذا المثل الذي تتداوله الألسن التونسية للتعبير عن حالات النكران والجحود، قصة رمزية تتمثل في أن القنديل المثبت أعلى الباب، موجه للخارج وليس للداخل.. ربما رغبة في كشف الغزاة والأعداء، لكن سكان الحي يصرّون على اتهام القنديل بالتقرب إلى الأجنبي وتبجيله على أهل الدار.

وبالفعل، فإن التونسيين يأنسون للوافدين أكثر من أبناء عمومتهم.. ربما لأن الغرباء أكثر حفظا لأسرارهم التي لم تعد أسرارا من لحظة وقوعها والنظر والتلصص عليها بالعادة والفطرة والغريزة. أما باب الخضراء الذي أسكنه ويسكنني، فلقد سمي كذلك منذ إنشائه بداية القرن الخامس عشر، بسبب إطلالته على البساتين التي قضمها الآن الزحف العمراني واحتلتها حضارة الإسمنت.

استحالت أبواب تونس إلى أقواس شامخة بلا أقفال ولا مفاتيح ولا قناديل، ولا صدر ولا عجز، لكني أحني الرأس تحتها عند الدخول مساء والخروج صباحا، وأهمس لنفسي خلفها بأسرار يتنصت إليها الجميع.

حكيم مرزوقي
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه