أشكو‭ ‬للعمة‭ ‬والخالة‭

بقلم كامل عبدالرحيم شباط/فبراير 21, 2024 58

أشكو‭ ‬للعمة‭ ‬والخالة‭

 

كامل عبدالرحيم

 

اكتشافاتي‭ ‬بسيطة،‭ ‬فهي‭ ‬مثلا،‭ ‬اغنية‭ (‬من‭ ‬غير‭ ‬ليه‭ ) ‬لمحمد‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭ ‬و‭( ‬هذا‭ ‬أنا‭ ) ‬لعبد‭ ‬الكريم‭ ‬عبد‭ ‬القادر،‭ ‬لكن‭ ‬الاكتشاف‭ ‬الأهم‭ ‬والذي‭ ‬سبق‭ ‬الثاني‭ ‬والثالث‭ ‬وربما‭ ‬الجميع،‭ ‬هو‭ ‬كاسيت‭ ‬نجاة‭ ‬الصغيرة‭ ‬برقم‭(‬109‭) ‬من‭ ‬تسجيلات‭ ‬جقماقجي‭.‬

كان‭ ‬لجقماقجي‭( ‬الابن‭ )‬،‭ ‬سمير‭ ‬فرعان،‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬تقاطع‭ ‬شارع‭ ‬الرشيد‭ ‬مع‭ ‬شارع‭ ‬أبي‭ ‬نؤاس‭ ‬بعد‭ ‬شارع‭ ‬سينما‭ ‬الخيام‭ ‬والثاني‭ ‬صغير‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬لسان‭ ‬ضيق‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬تجاري‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬النصارى‭ ‬وكان‭ ‬جقماقجي‭ ‬الابن‭ ‬يحشر‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬قعر‭ ‬الدكان‭ ‬وحوله‭ ‬رفوف‭ ‬معنونة‭ ‬ومرقمة‭ ‬وعلى‭ ‬الأغلب‭ ‬يلبي‭ ‬طلبات‭ ‬زبائنه‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬لوقوفه‭ ‬أو‭ ‬قيامه‭ ‬فلا‭ ‬تظهر‭ ‬منه‭ ‬غير‭ ‬بطنه‭ ‬الكبيرة‭ ‬وكآبته‭ ‬العابرة‭ ‬للقارات،‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الفرع‭ ‬ابتعت‭ ‬شريط‭ ‬نجاة‭ ‬بالرقم‭ ‬109‭.‬

ومثلما‭ ‬حاولت‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬عباءة‭ ‬أبي‭( ‬الوطنية‭ ‬الديمقراطية‭ ) ‬نسبة‭ ‬للحزب‭ ‬الوطني‭ ‬الديمقراطي‭ ‬فإذا‭ ‬بي‭ ‬أقع‭ ‬تحت‭ ‬معطفه‭ ( ‬الفابي‭ ) ‬نسبة‭ ‬للاشتراكية‭ ‬الفابية‭ ‬وقد‭ ‬سلم‭ ‬أبي‭ ‬أمره‭ ‬إليها‭ ‬بعد‭ ‬المرور‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الاشتراكيات‭ ‬القلقة‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يسلم‭ ‬روحه‭ ‬لبارئها‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1965،‭ ‬أقول،‭ ‬ومثلها‭ ‬هربا‭ ‬من‭ ‬الحزن‭ ‬العميق‭ ‬والهزيمة‭ ‬الممتثلة‭ ‬في‭( ‬ساكن‭ ‬قصادي‭ ) ‬لنجاة‭ ‬وقعت‭ ‬في‭( ‬طقاطيق‭ ) ‬نجاة‭ ‬وأغنياتها‭ ‬السريعة‭ ‬وفيها‭ ‬بعض‭ ‬الفرح‭ ‬والمرح‭ ‬والتفاؤل،‭ ‬قلت‭( ‬بعض‭ ) ‬لأن‭ ‬السمة‭ ‬الأعم‭ ‬تبقى‭ ‬وتطغي‭ ‬وأقصد‭ ‬الحب‭ ‬المكسور‭ ‬للأنثى‭ ‬المقموعة‭ ‬وهي‭ ‬تقاوم‭ ‬جاهدة‭ ‬لإخفاء‭ ‬عاطفتها‭ ‬خجلا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬والجهر‭ ‬بغرامها‭ ‬المكتوم‭ ‬والمكتوي‭ ‬برغبة‭ ‬مكبوتة‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬الأخرى‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬أغنيتها‭ ‬التي‭ ‬يبتدئ‭ ‬بها‭ ‬الكاسيت‭(‬109‭) ‬وهي‭ ‬أغنية‭( ‬طول‭ ‬عمري‭ ‬أحبك‭ ‬واشكيلك‭ ‬واشكي‭ ‬للعمة‭ ‬والخالة‭ ) ‬والأخرى‭ ‬بالطبع‭( ‬بان‭ ‬عليه‭ ‬حبه‭ ).‬

كان‭ ‬ذلك‭ ‬نهاية‭ ‬عقد‭ ‬السبعينات‭ ‬وهي‭ ‬مرحلة‭ ‬فارقة‭ ‬للجميع‭ ‬وللبلاد‭ ‬بالأخص‭ ‬ولي‭ ‬شخصيا،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأعوام‭ ‬كانت‭ ‬جردة‭ ‬حساب‭ ‬لمغامرتي‭ ‬الثورية،‭ ‬بعد‭ ‬إعدام‭ ‬صديقي‭ ‬ومعلمي‭ ‬رياض‭ ‬البكري،‭ ‬فلقد‭ ‬نجوت،‭ ‬بفضله‭ ‬طبعا‭ ‬وبصمته‭ ‬الذي‭ ‬حفظ‭ ‬حياتنا‭ ‬وبه‭ ‬دفع‭ ‬الثمن‭ ‬وقائمة‭ ‬الحساب‭ ‬لوحده،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬تعرض‭ ‬الشيوعيون‭ ‬لضربة‭ ‬قاسية‭ ‬فانتهى‭ ‬حالهم‭ ‬بين‭ ‬معتقل‭ ‬أو‭ ‬معدوم‭ ‬أو‭ ‬لاجئ‭ ‬في‭ ‬الشتات‭ ‬أو‭ ‬محتم‭ ‬في‭ ‬الجبل،‭ ‬فكان‭ ‬من‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬نحن‭ ‬الذين‭ ‬على‭ ‬يسارهم‭ ‬والأكثر‭ ‬تطرفا،‭ ‬نستمتع‭ ‬بحياة‭ ‬طبيعية‭( ‬وهذا‭ ‬قبيل‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية‭ ‬بقليل‭ ) ‬فيما‭ ‬طيبو‭ ‬النية‭ ‬والذين‭ ‬تحالفوا‭ ‬مع‭ ‬البعث‭ ‬ينالهم‭ ‬كل‭ ‬الحيف،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬المكفهرة‭ ‬نما‭ ‬عملي‭ ‬التجاري‭ ‬رغما‭ ‬عني‭ ‬فأصبحت‭ ‬لي‭ ‬سيارة‭ ‬خاصة‭ ‬زرقاء‭ ‬نوع‭ ‬تويوتا‭ ‬كورونا‭ ‬موديل‭ ‬1980‭ ‬برقم‭ ‬لوحة‭ ‬التسجيل‭ ‬الخالد‭ (‬39637‭)‬،‭ ‬شهد‭ ‬متنها‭ ‬كل‭ ‬تناقضاتي‭ ‬وقد‭ ‬احتل‭ ‬الصدارة،‭ ‬كاسيت‭ ‬نجاة‭(‬109‭) ‬في‭ ‬مسجلة‭ ‬السيارة‭ ‬فانطلق‭ ‬صوت‭ ‬نجاة‭ ‬المتشكي‭ ‬المهضوم‭ ‬فهذب‭ ‬خشونة‭( ‬الرفاق‭ ) ‬وشملت‭ ‬رقته‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬سمعه‭ ‬في‭ ‬السيارة‭ ‬أو‭ ‬البيت‭ ‬أو‭ ‬العمل‭.‬

كان‭ ‬قلقي‭ ‬وكآبتي‭ ‬واختلال‭ ‬توازني‭ ‬قد‭ ( ‬وصل‭ ) ‬حدا‭ ‬مخيفا،‭ ‬فإذا‭ ‬سمعت‭ ‬أغنية‭ ‬فيروز‭( ‬ياسنين‭ ‬اللي‭ ‬رحتي‭ ‬أ‭ ‬رجعيلي‭) ‬أغلق‭ ‬دكاني‭ ‬وأذهب‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬باكيا‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬أقرب‭ ‬حانة‭ ‬نادبا‭. ‬كنا‭ ‬حضرنا،‭ ‬أنا‭ ‬ورياض،‭ ‬مسرحية‭( ‬ميس‭ ‬الريم‭ ) ‬لفيروز‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬البيكاديلي‭ ‬عام‭ ‬1975،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬حلما‭ ‬عصيا‭ ‬لرياض‭ ‬لغلاء‭ ‬تذاكر‭ ‬الحجز‭ ‬ولما‭ ‬التحقت‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬وكانت‭ ‬إعلانات‭ ‬المسرحية‭ ‬تغطي‭ ‬شوارع‭ ‬بيروت‭ ‬وحين‭ ‬رأيت‭ ‬حسرته،‭ ‬قلت‭ ‬لرياض،‭ ‬عندي‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لذلك،‭ ‬والحقيقة‭ ‬فكل‭ ‬ما‭ ‬أمتلكه‭ ‬وقتها‭ ‬بالكاد‭ ‬يسد‭ ‬ثمنها‭ ‬فذهبنا‭ ‬وجلسنا‭ ‬متلاصقين‭ ‬في‭ ‬ظلام‭ ‬البيكاديلي‭ ‬وكنت‭ ‬أسمع‭ ‬نبض‭ ‬قلبه‭ ‬وكان‭ ‬يستمع‭ ‬لدقات‭ ‬قلبي‭ ‬ولما‭ ‬صدحت‭ ‬فيروز‭ ‬باغنينها‭ ‬الفلسفية‭( ‬ياسنين‭ ‬اللي‭ ‬رحتي‭ ‬ارجعيلي‭ ) ‬تيقنت‭ ‬أنني‭ ‬سأسمعها‭ ‬مرارا‭ ‬وأنا‭ ‬أبكي،‭ ‬كانت‭ ‬فكرة‭ ‬رحيل‭ ‬رياض‭ ‬المبكر‭ ‬مستحيلة‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬ممكنة‭ ‬جدا‭ ‬لنمطه‭ ‬المتحدي‭ ‬والمغامر،‭ ‬وبدا‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬أني‭ ‬استمعت‭ ‬لتلك‭ ‬الأغنية‭ ‬الجنائزية‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬أخرى‭.‬

ما‭ ‬فعله‭ ‬كاسيت‭ ‬نجاة‭ (‬109‭) ‬هو‭ ‬حرف‭ ‬المزاج‭ ‬قليلا‭ ‬وتغيير‭ ‬وجهة‭ ‬النظر‭ ‬والجلسة‭ ‬للعالم‭ ‬لتتحول‭ ‬الحياة‭ ‬بحزنها‭ ‬المبهم‭ ‬مدافة‭ ‬بفرح‭ ‬مجهول‭ ‬الأثر‭ ‬مبثوث‭ ‬بأنفاس‭ ‬صوت‭ ‬نجاة‭ ‬المبهر‭ ‬والمنبهر

قبل‭ ‬أيام‭ ‬اتصل‭ ‬بي‭ ‬صديقي‭ ‬سعد‭ ‬شاهين‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬السويد‭ ‬ليخبرني‭ ‬بأن‭ ‬أخا‭ ‬لي‭ ‬يبدو‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬عالمي‭ ‬قد‭ ‬أرسل‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬الماسينجر‭ ‬أغنية‭ ‬نجا‭ ‬ة‭( ‬بان‭ ‬عليه‭ ‬حبي‭ ) ‬فقال‭ ‬له‭ ‬غامزا‭( ‬أنها‭ ‬تخص‭ ‬كامل‭ ) ‬وقلت‭ ‬له‭ ‬بل‭ ‬وصل‭ ‬الصدى‭ ‬أخيرا‭.‬

هذا‭ ‬اليوم،‭ ‬وككل‭ ‬جمعة‭ ‬أمارس‭ ‬رياضة‭ ‬المشي‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬البيت‭ ‬تحت‭ ‬شمس‭ ‬الحادية‭ ‬عشرة‭ ‬صباحا‭ ‬فاختار‭ ‬من‭ ‬اليوتيوب‭ ‬أغنية‭ ‬وكان‭ ‬الدور‭ ‬اليوم‭ ‬لأغنية‭ ( ‬طول‭ ‬عمري‭ ‬أحبك‭ ‬واشكيلك‭ ‬واشكي‭ ‬للعمة‭ ‬والخالة‭ ) ‬وبعد‭ ‬أقل‭ ‬دقيقة‭ ‬خامرني‭ ‬واعتراني‭ ‬خلل‭ ‬فكأن‭ ‬الأغنية‭ ‬ليست‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬رققت‭ ‬خشونة‭ ‬الأيام‭ ‬الصعبة،‭ ‬وعرفت‭ ‬العلة‭ ‬فورا‭ ‬فلقد‭ ‬غيرت‭ ‬نجاة‭ ‬لاحقا‭ ‬في‭ ‬كلمات‭ ‬الأغنية‭ ‬وربما‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬تسجيلاتها‭ ‬لتتحول‭(‬واشكي‭ ‬للعمة‭ ‬والخالة‭ ) ‬إلى‭( ‬ولاترضى‭ ‬تسمعني‭ ‬القوالة‭)‬،‭ ‬بدت‭ ‬الأغنية‭ ‬غريبة‭ ‬عرجاء‭ ‬تلكز‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬العمات‭ ‬والخالات‭ ‬فلماذا‭ ‬يا‭ ‬نجاة؟

كلمات‭ ‬الأغنية‭ ‬للشاعر‭ ‬أنور‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬وربما‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬اعترض‭ ‬على‭ ‬نجاة‭(‬شعبوية‭) ‬العمات‭ ‬والخالات‭ ‬ليقوم‭ ‬الشاعر‭ ‬تغييرها‭ ‬بتلك‭ ‬التكملة‭ ‬الركيكة،‭ ‬لكن‭ ‬لي‭ ‬تفسيرا‭ ‬مغايرا‭ ‬مرده‭ ‬كما‭ ‬أظن‭ ‬للمنافسة‭ ‬الطبيعية‭ ‬بين‭ ‬نجاة‭ ‬وفايزة‭ ‬أحمد‭ ‬ولهذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬أغنية‭ ‬تشكو‭ ‬فيها‭ ‬أيضا‭ ‬للعمات‭ ‬والخالات‭ ‬ولتلك‭ ‬قصة‭ ‬أخرى‭.‬

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه