"معركة مؤته" مع تسليط الضوء على اهم النقاط التي من الواجب الوقوف عندها..

بقلم العقيد الركن المتقاعد عمر خلف حسن العكاب الجبوري شباط/فبراير 21, 2024 65

بقلم العقيد الركن المتقاعد عمر خلف حسن العكاب الجبوري

تعتبر معركة مؤتة من اثخن الحروب التي خاض غمارها المسلمون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ,حيث وقعت في جمادى الاولى سنة 8 هجرية , ومؤته وهي قرية بادنى بلقاء الشام بينها وبين بيت المقدس مرحلتان.وسبب المعركة ان سول الله صلى الله علي وسلم بعث حارث بن عمير الازدي بكتابه الى عظيم بصرى , فعرض له شرحبيل بن عمر الغساني وكان عاملا على البلقاء من ارض الشام من قبل قيصر فاوثقه رباطا , ثم قدمه وضرب عنقه.
قوات الطرفين
ويمكن بيانها كما يلي:
جيش المسلمين
كان جيش المسلمين يتالف من قوة قوامها ثلاثة الاف مقاتل ,واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم, ثلاثة امراءعلى التوالي: زيد بن حارثة ,ثم جعفر بن ابي طالب, ثم عبد الله بن رواحة.
جيش العدو(الروم البيزنطيين والغساسنة)
كان جيش العدو يتالف من مائة الف مقاتل مع هرقل وانضم اليه مائة الف اخرى من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلى , ليصبح العدد الكلي له مائتي الف مقاتل.
ميدان المعركة
وقعت المعركة في منطة مؤتة وهي تابعة لمحافظة الكرك في الاردن وهي اول غزوة خارج حدود الجزيرة العربية وتبعد عن المدينة المنورة بمسافة تقدر باكثر من الف كم .
سير المعركة
بعد ان تحرك المسلمون من المدينة المنورة متوجهين الى الشمال نحو الشام مما يلي الحجاز الشمالي ,الموقع الذي قتل به سفير المسلمين الحارث بن عمير الازدي ,وعند نزولهم في معان نقلت اليهم اخبار بان هرقل نزل من ارض البلقاء في مائة الف من الروم, وانضم اليهم من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي مائة الف , لم يكن المسلمون يحسبوا هذا الحساب لمواجهة هذا العدد غير المتوقع, ولكن بعد المشاورة اتخذ القرار بالتحرك ومواجهة الاعداء متوكلين على الله .وبعد ان قضوا ليلتين في معان تحركوا الى ارض العدو, وبعد ان لقيتهم جموع هرقل انحاز المسلمون الى مؤتة وهي تبعد اكثر من مائة كم عن معان معسكرهم السابق, وهناك تم تعبئتهم للقتال, فجعلوا على ميمنتهم قطبة بن قتادة العذري, وعلى الميسرة عبادة بن مالك الانصاري.
فحمل الراية القائد البطل وامير الجيش زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقاتل الاعداء بكل حزم واندفاع حتى شاط –سال دمه- في رماح القوم حتى قتل, وهو يسجل شجاعة لاتوصف لقائد جيش قوامه ثلاثة الاف مقاتل ضد جيش قوامه مائتي الف, في مكان يبعد اكثر من الف كم عن المدينة, فاخذ الراية جعفر بن ابي طالب ليقاتل قتالا منقطع النظير, فقاتل حتى اذا ارهقه القتال نزل عن فرسه فعقرها , فقاتل حتى قطعت يمينه, فاخذ الراية بشماله حتى قطعت, فاحتضنها بعضديه, فلم يزل رافعا بها حتى قتل , حتى انه لقب بذي الجناحين,ففي صحيح البخاري كان ابن عمر اذا حيا ابن جعفر , قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين. ثم اخذ الراية عبد الله بن رواحة الانصاري رضي الله عنه وامتطى جواده وهو يقول شعرا يكلمات تدل على مجاهدة النفس وبذلها في سبيل الله , ويذكر ان ابن عم له اتاه بقطعة لحم , فقال شدّ بها صلبك ,فانك قد لقيت في ايامك مالقيت , فاخذها وانتهش منه نهشة ثم سمع جلبة وزخاما في جبهات القتال, فالقاها من يده واخذ سيفه فتقدم, حتى قتل رضي الله عنه .فالتقط الراية ثابت بن ارقم من بني عجلان , وطلب من المسلمين ان يصطلحوا على رجل ياخذها, قالوا: انت قال: ما انا بآخذها , فاصطلح الناس على خالد بن الوليد.
فلما اخذ الراية قاتل قتالا مرير حتى تقطعت في يده تسعة اسياف , ولم يبقى بيده الا صحيفة يمانية ,و جاء في صحيح البخاري عن انس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم , نعى زيدا, وجعفرا, وابن رواحة للناس , قبل ان ياتيهم خبرهم , فقال اخذ الراية زيد فاصيب ,ثم اخذ جعفر فاصيب , ثم اخذ ابن رواحة فاصيب, وعيناه تذرفان حتى اخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم .
فلما اصبح اليوم الثاني بعد تسلمه القيادة غيرالقائد خالد بن الوليد اوضاع الجيش, وعبأه من جديد, فجعل مقدمته ساقه وميمنته ميسرته, فلما رآهم الاعداء انكروا حالهم, وقالوا جائهم مدد ,فبعد الاشتباك مع العدو والتناوش, استطاع خالد بن الوليد ان يتاخر بالمسلمين قليلا قليلا ,مع المحافظة على ترتيب الجيش, حتى ظن الرومان ان هناك خطة من قبل المسلمين, لخداعهم والقيام بمكيدة لهم لاستدراجهم ورميهم في الصحراء, فاستطاع بهذه الخطة الحكيمة فك الاشتباك مع عدو يتغلب عليه بنسبة لايمكن مقارنتها بين جيشين.

خسائر الطرفين
كان عدد المشتركين كبير اذا ماتم مقارنته ببقية المعارك ورغم ذلك كانت خسارة المسلمين قليلة:
خسائر المسلمين
كان عدد قتلى المسلمين اثنا عشر رجلا من ضمنهم القادة الذين عينهم النبي صلى الله عليه وسلم.
خسائر العدو
لم يتم حصر عدد القتلى بين صفوف الروم ولكن المعلومات عن تفاصيل المعركة تشير الى كثرتهم,حيث جاء في صحيح البخاري انه في يوم مؤتة, انقطعت في يد خالد بن الوليد تسعة اسياف فما بقي بيده الاصفيحة يمانية.

اهم النقاط التي تم تسليط الضوء عليها في معركة مؤتة وما اعقبها من احداث:
1. كانت رسالة بينت قوة المسلمين وامكانياتهم القتالية لكونها اول عملية عسكرية خارج حدود الجزيرة العربية ,حيث ان موقع معركة مؤتة يبعد اكثر من الف كم شمال المدينة المنورة, ومثل تلك العمليات لاتقوم بها الا قوات لها تاثيرها بالساحة والمنطقة برمتها, امثال الامبراطوريات في ذلك الوقت كفارس والروم ,فاصبح للدولة الاسلامية كيانها وسمعتها بين تلك الاوساط.
2.ان هذه المعركة لم يقودها النبي صلى الله عليه وسلم بشكل مباشر , وانما اعطى القيادة لامراء من الصحابة رضي الله عنهم, والمتتبع للسيرة الشريفة نجد ان كل المعارك الدفاعية قادها النبي صلى الله عليه وسلم واشرف عليها بنفسه, اما المعارك الاستباقية والتي يباغت بها الاعداء فقد تكون بقيادته او قد يخول لقيادتها من يختاره لتلك المهمة او السرية, واكيد تعتبر هذه فرصة لقادة وامراء المسلمين ان يمارسوا القيادة بانفسهم , وان يتدربوا على كيفية اتخاذ القرار, ففي الحديث الشريف الذي يرويه البخاري في صحيح مسلم( قَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لَوْلَا أنْ أشُقَّ علَى أُمَّتي ما تَخَلَّفْتُ عن سَرِيَّةٍ، ولَكِنْ لا أجِدُ حَمُولَةً، ولَا أجِدُ ما أحْمِلُهُمْ عليه، ويَشُقُّ عَلَيَّ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، ولَوَدِدْتُ أنِّي قَاتَلْتُ في سَبيلِ اللَّهِ، فَقُتِلْتُ، ثُمَّ أُحْيِيتُ ثُمَّ قُتِلْتُ، ثُمَّ أُحْيِيتُ). ففداه ابي وامي ونفسي من قائد, تكاملت به كل صفاة القيادة الناجعة.
3. يعتبر تعيين القائد البديل امر مهم في سلسلة القيادة ,ليكون جاهز لتسنمها عند حدوث اي امر طارئ يستعدي ذلك ليكون بدل القائد الاصيل,واغلب الجيوش دائما ما يكون القائد البديل حاضرا في خططها وتدريبها , حتى لايكون هناك فراغ في اهم جانب من جوانب القيادة , وغالباما يكون قريب من القائد الاصيل ,كما يجب ان يكون ملما بكل مايخص المواقف ومتغيراتها و نظام المعركة ,والتجحفلات ,والواجبات, ونرى في هذه المعركة(مؤتة) كيف ان النبي صلى الله عليه وسلم بصفته القائد الاعلى للجيش, انتخب القادة الثلاث لقيادة جيش المسلمين , واعطى لكل واحد تسلسل في ذلك, ولكون موقع المعركة بعيد عن المدينة فتم ايجازهم بهذا التسلسل حتى لايحتاجوا الى الرجوع واستلام اوامر جديدة عند حدوث اي طارئ ,لان ذلك لاشك يحتاج الى وقت طويل وظروف المعركة لاتسسمح بمثل تلك الامور,وقد يتسبب عدم وجود القيادة البديلة الى ارباك القطعات وارباك القادة والامراء انفسهم , فالقائد الذي يعرف نفسه سيكون بديلا فاكيد سوف يكون متهيء لاستلام زمام الامور باي لحظة بدون تاخير و في الوقت المناسب وبدون اي ارتباك في الاوامر, وكذلك القطعات لها علم بمن سيقودها فلا تتاثر من الناحية المعنوية والنفسية.
4. يقول الكاتب الامريكي روبرت غرين في كتابه 33 استراتيجية للحرب( اخسر المعارك ولكن اربح الحرب) فعلى القائد ان يفكر بان الحرب اكبر من المعركة , وبالرغم ان المسلمين لم يخسروا بهذه المعركة اذا ماتم مناقشة عدة جوانب:
أ. عند مقارنة حجم قوات العدو وعدد جيش المسلمين سيتبين لنا قدرة المسلمين الكبيرة على المواجهة.
ب. ان موقع ومكان المعركة هو في جانب العدو وببعد مئات الكيلو مترات عن مركز القيادة الاسلامية فيعتبر ذلك عملا نوعيا لجيش المسلمين.
ج. مواجهة جيش لاحد اكبر الامبراطوريات من قبل جيش فتي لم يمضي على تاسيسه سوى اعوام بسيطة , فهو لاشك نصر كبير حيث له صداه وفعله, سواء عند الامبراطوريات الكبيرة او حتى عند اعداء الاسلام الذين لازالوا يتحينوا الفرص للنيل منه.
د. ظهور قيادات من المسلمين قادرة على ادارة المعارك كما فعل القائد خالد بن الوليد الذي استلم زمام الامور, بعد ان قُتل القادة الثلاثة الذين عينهم النبي صلى الله عليه وسلم , حيث ادار معركة قتال تراجعي استطاع من خلالها النجاة بقوة المسلمين بعد ان تمكنوا من تحقيق نتائج جيدة في تلك المعركة.
ه.كان القادة على راس قطعاتهم وقد ابلوا بلاءً حسنا فكانوا رمزا للتضحية والاقدام لابل للشجاعة المنقطعة النظير, واصبحوا مثالا يحتذى بهم من قبل الأمة على مر العصور والازمنة , ,وكيف لا وقد انتخبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيادة اؤلئك الرجال وفي تلك الظروف والمواقف الصعبة, فلهم منا التحية والتقدير والسلام على ماسطروه من ملاحم اعز الله بها المسلمين وأذل فيها عدوهم ,ونسال الله ان يهيأ لهذه الأمة من امثالهم ليعزوا راية الاسلام.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه