الغرب أمام فرانكشتاين صنعه بيده

بقلم أنيس شودري شباط/فبراير 24, 2024 85

الغرب أمام فرانكشتاين صنعه بيده


تحدي إسرائيل الصريح للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين يشكل إشارة واضحة إلى أن الوقت قد فات لكبح جماح الوحش الذي خلقوه، ويتساءل المرء عما إذا كانوا سيواجهون مصير فرانكشتاين.
شركاء في تدمير النظام العالمي
في سعيها للسيطرة على الأرض من “النهر إلى البحر”، وفي عملية التطهير العرقي التي تمارسها ضد السكان الفلسطينيين، تواصل إسرائيل تحدي أقوى داعميها، الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. ويبدو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مصرا على المضي قدماً في الهجوم البري على مدينة رفح الواقعة في أقصى جنوب قطاع غزة، رغم تعالي الأصوات الصادرة عن وكالات الإغاثة والمجتمع الدولي والمحذّرة من أن الهجوم على رفح سيكون بمثابة كارثة. وانتقد نتنياهو الولايات المتحدة بشأن أحدث اتفاق لإطلاق سراح الرهائن واتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه قطر ومصر. ويبدو أن القرار الصادر عن محكمة العدل الدولية باتخاذ كافة التدابير الفعالة لوقف الإبادة الجماعية في غزة لا علاقة له بإسرائيل. ويقول جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إن نتنياهو “لا يستمع إلى أحد”.

لا ينبغي للمرء أن يفاجأ على الإطلاق بالتحدي الذي تبديه إسرائيل. فهي تتمتع بالحصانة من العقاب منذ إنشائها عام 1948. وعندما أعلن ديفيد بن غوريون، رئيس الوكالة اليهودية، قيام دولة إسرائيل في 14 مايو 1948، اعترف الرئيس الأميركي هاري ترومان بدولة إسرائيل الجديدة في نفس اليوم. ومنذ ذلك الوقت انتهكت إسرائيل 28 قرارا صادرا عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهي قرارات ملزمة قانونا للدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

وبين عام 1972 وشباط – فبراير 2023 استخدمت الولايات المتحدة حق النقض 53 مرة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضد قرارات مناهضة لإسرائيل أو إدانات لها. وتساءلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في مقال رأي نشرته “متى ستتعب الولايات المتحدة من مساعدة إسرائيل باستخدام حق النقض في الأمم المتحدة؟”. واستخدمت واشنطن حق النقض ضد كل محاولة من جانب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار في الهجوم الإسرائيلي الأخير على غزة، في أعقاب هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر – تشرين الأول، وأدى الهجوم على غزة إلى مقتل ما يقرب من 30 ألف شخص، معظمهم من الأطفال والنساء.

بينما تدوس إسرائيل على كافة المؤسسات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، تتواطأ الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون على تدمير النظام العالمي القائم على القواعد التي وضعوها بأنفسهم

وعندما التقى جو بايدن ببنيامين نتنياهو وحكومته الحربية أثناء زيارته إلى إسرائيل، مباشرة بعد هجوم حماس، قال الرئيس بايدن “لا أعتقد أنه يتعين عليك أن تكون يهوديّا لتكون صهيونيّا، وأنا صهيوني”. واضطر الرئيس بايدن لاحقا في مواجهة الاحتجاج العالمي والضغوط الداخلية، خاصة داخل الحزب الديمقراطي والمعارضة المتزايدة لموظفي الإدارة، إلى الإعراب عن بعض الإحباط، قائلاً إن القصف الإسرائيلي الذي استهدف غزة “عشوائي” وإن رد فعل إسرائيل على هجوم حماس في 7 أكتوبر كان “مبالغًا فيه”. لكن الدعم العسكري والمالي والدبلوماسي الذي تقدمه الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى إسرائيل مستمر دون قيد أو شرط.

الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، وخاصة ألمانيا والمملكة المتحدة، ينتقدون القضية التي رفعتها دولة جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية سعياً إلى إصدار أمر قضائي مؤقت ضد الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاقية الإبادة الجماعية. ورفضوا ذلك باعتباره أمرا “عديم الجدوى، ويؤدي إلى نتائج عكسية، لا أساس لها من الصحة”، أو أنه “خاطئ واستفزازي”، وسارعوا إلى الدفاع عن إسرائيل في محكمة العدل الدولية، في القضية التي وصفها الرئيس الإسرائيلي بـ“الفظيعة وغير المعقولة”.

وفشل الغرب في وقف المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي بعض الأحيان، اعتمدت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون بعض العبارات القوية مثل “مستاء للغاية” و“منزعج للغاية” و“معارض بشدة”، ناهيك عن التعبيرات المبتذلة مثل “ضد الخطوات أحادية الجانب” و”الدعوات إلى ضبط النفس والاستقرار”، مؤكدين “التزامهم بحل الدولتين”.

خخ

وذكر مقال الرأي في صحيفة هآرتس أن “هذه العبارات الملطفة لا تحمل أيّ عاقبة”. وهي لا تختلف كثيراً عن “الخواطر والصلوات” التي يقدمها الساسة الأميركيون بعد حادث إطلاق نار جماعي. لقد أصبحت هذه التصريحات الجوفاء الصادرة عن واشنطن بمثابة نسخة السياسة الخارجية من عبارة “لا شيء هنا، استمروا”.

وسبق للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين أن أدانوا عبارة “من النهر إلى البحر، حدودك يا فلسطين” باعتبارها معاداة للسامية. لكن لا أحد يذكر بيان حزب الليكود الذي يقول “إن حق الشعب اليهودي في أرض إسرائيل أبدي ولا جدال فيه… ولن تكون هناك سوى السيادة الإسرائيلية بين البحر (أرض يهودا والسامرة) والنهر (الأردن)”. ولم يثر أي خوف من أيّ جهة حين عرض نتنياهو في سبتمبر – أيلول 2023 في الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة خارطة الشرق الأوسط الجديدة لإسرائيل من “النهر إلى البحر”، قبل أقل من شهر واحد من هجوم حماس في 7 أكتوبر – تشرين الأول.

بعد هذا كله لماذا نفاجأ عندما يتهم وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريش، الرئيس جو بايدن بالتورط في “كذبة معادية للسامية” في رد الفعل على الأمر الإداري الذي أصدره بايدن بفرض عقوبات على المستوطنين الصهاينة العنيفين في الضفة الغربية المحتلة؟ أليس من المفارقة أن يُتهم من يعلن أنه صهيوني غير يهودي بمعاداة السامية؟ ووصف نتنياهو العقوبات الأميركية بأنها “جذرية” وأعلن أنه “لا يوجد مكان لاتخاذ خطوات جذرية في هذا الشأن”.

لا ينبغي للمرء أن يفاجأ على الإطلاق بالتحدي الذي تبديه إسرائيل. فهي تتمتع بالحصانة من العقاب.. وانتهكت 28 قرارا صادرا عن مجلس الأمن

وسبق لأرييل شارون، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، أن قال خلال جدال حاد مع وزير خارجيته شيمون بيريز “في كل مرة نقوم بشيء ما، تقولون لي إن الأميركيين سيفعلون هذا وسيفعلون ذلك. أريد أن أقول لك شيئاً واضحاً جدا: لا تقلق من الضغوط الأميركية على إسرائيل؛ نحن الشعب اليهودي نسيطر على أميركا”.

تاريخيّا حظيت إسرائيل بشعبية سياسية لا تصدق في الولايات المتحدة، بدعم من جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل وجيدة التمويل داخل واشنطن، مثل لجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (أيباك). وقدم جيمس بيتراس في كتابه “قوة إسرائيل في الولايات المتحدة” (2006) تحليلاً وتوثيقًا مفصلاً لقوة إسرائيل عبر اللوبي الإسرائيلي أو اليهودي أو المؤيد للصهيونية، كاشفا عن الحجم الاستثنائي للدعم السياسي والاقتصادي والعسكري والدبلوماسي الأميركي لدولة إسرائيل، إلى جانب الوسائل التي يتم من خلالها توليد هذا الدعم وتعزيزه.

ويسلط كتاب بيتراس الضوء على فضيحة تجسس أيباك وغيرها من حوادث التجسس الإسرائيلي ضد أميركا، والدور الاحتيالي والمتواطئ الذي يلعبه “خبراء الإرهاب” الأكاديميون الأميركيون في تعزيز السياسات الحكومية الإجرامية، وتنسيق الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية لإثارة الكراهية بين المسلمين والغرب. ويقول جيمس بيتراس إن القوة الصهيونية في أميركا ضمنت الدعم الأميركي غير المشروط للاستعمار الإسرائيلي لفلسطين والاقتلاع الجماعي للفلسطينيين.

وفي رواية ماري شيلي “فرانكشتاين” عام 1818 ابتكر العالم فيكتور فرانكشتاين وحشًا حاول أن يتكيف مع المجتمع البشري، لكن وجد نفسه مرفوضا؛ لتسيطر عليه نزعة انتقامية، خاصة ضد صانعه.

عمد الوحش إلى قتل شقيق فرانكشتاين الأصغر وصديقه المفضل وعروسه في ليلة زفافهما، وتوفي والد فرانكشتاين حزنًا. وأخيرا كرس فرانكشتاين نفسه لتدمير ما صنعه، لكن الوحش قاده إلى ملاحقته في الشمال، عبر الدول الأسكندنافية وعبر روسيا، ليعاني من الإرهاق الشديد وانخفاض حرارة الجسم. في النهاية توفي فيكتور فرانكشتاين.

وبينما تدوس إسرائيل على كافة المؤسسات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، تتواطأ الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون على تدمير النظام العالمي القائم على القواعد التي وضعوها بأنفسهم.

تحدي إسرائيل الصريح للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين يشكل إشارة واضحة إلى أن الوقت قد فات لكبح جماح الوحش الذي صنعوه. ومع خسارة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين نفوذهم ومصداقيتهم في الجنوب العالمي، يتساءل المرء عما إذا كان الغرب بقيادة الولايات المتحدة سيواجه يوما ما مصير فرانكشتاين.

أنيس شودري
أستاذ مساعد في جامعة غرب سيدني

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه