مناطق التبادل الحر مفتاح متعدد الاستعمالات

بقلم صابر بليدي شباط/فبراير 26, 2024 349

مناطق التبادل الحر مفتاح متعدد الاستعمالات


قيادات دول المنطقة يتوجب عليها مواكبة الأبعاد الاجتماعية والمبادلات التجارية فمناطق التبادل الحر بين البلدان الستة حيث النسيج الاجتماعي والعلاقات عريقة وحتمية وضرورية للأفراد كما للحكومات هي تحصيل حاصل متأخر.

المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي
في المأثور الشعبي “التجار هم من يحرسون السوق، وهم من يحمون بضائعهم وممتلكاتهم من اللصوص، وليس أعوان الأمن”، هذه ملامح قاعدة اقتصادية وحتى إستراتيجية، لما يتعلق الأمر بتجارة أوسع وبمبادلات تتعدى الحدود، وهو ما يمكن إسقاطه على خطوة الجزائر لإقامة مناطق تبادل حر مع دول مجاورة، في إطار إستراتيجية انفتاح وتكامل إقليمي.

خمس مناطق للتبادل الحر مع خمس دول مجاورة، هو مشروع لا ينطوي على الأبعاد التجارية والمبادلات فقط، بل يتضمن قراءة إستراتيجية تبحث عن نسج خيوط تكتل إقليمي بما يحمله من أهداف إستراتيجية واقتصادية. فتفعيل النشاط الاقتصادي والمبادلات الثنائية، هو آلية جد فعالة لاستقطاب الناشطين في قنوات رسمية وشرعية، بدل محاربتهم ومعاقبتهم بسبب التهريب.

ومناطق التبادل بما توفره من مزايا وامتيازات للناشطين في القطاع الاقتصادي، ستكون قاطرة للنهوض بالتنمية المحلية وتحسين الظروف الاجتماعية والمساهمة في ترقية الخدمات والبنى التحتية؛ فالكثير من مثل هذه المشاريع بدأت ببئر ماء أو محطة استراحة وانتهت بأسواق كبيرة.

في الجزائر مثلا، تذكر الكثير من الشهادات أن مدنا مزدهرة وأقطابا اقتصادية محلية، بدأت بلا شيء وصارت على ما هي عليه الآن، بفضل فكرة سوق أقيم على محيط بئر ماء أو محطة للراحة في مفترق طرق، وهو سيناريو غير مستبعد في مشاريع مناطق التبادل الحر إذا أنجزت وفق المعايير والمقاييس اللازمة.

◙ مدن حدودية مؤهلة لأن تكون أكثر من مجرد منطقة للتبادل الحر، ومدينة تمنراست على رأسها، لو توفرت الإرادة السياسية والإمكانيات اللازمة لأمكن لها أن تكون عاصمة أفريقية بامتياز

ولعل نموذج مدينة وادي سوف خير مثال على المشروع، فهي منطقة تبادل حر غير معلنة، تكفي زيارة خفيفة للمدينة لمعاينة معالم ذلك، فهي المدينة الجزائرية الوحيدة التي يصادف الزائر فيها لوحات ترقيم مركبات من كل الولايات ومن دولتي الجوار تونس وليبيا.

حركية تجارية ومبادلات كبيرة في المدينة، تجلت معالمهما في التوسع العمراني وتوسع الخدمات وكثرة الأسواق والمناطق الصناعية، وعدد الوافدين محليا وإقليميا، لكن كل ذلك ظل إلى غاية الآن يمر عبر التهريب والقنوات غير الشرعية، وهو ما فوت على البلدان الثلاثة فرصة تنمية وتفعيل علاقات اقتصادية نسجتها خيوط اجتماعية عريقة بحكم الجغرافيا والجوار.

الحركية الاقتصادية والتجارية في الشريط الحدودي الشرقي، فرضها منطق المصالح والعوائد منذ عقود من الزمن، بينما الإرادات السياسية لم ترتق إلى ذلك المستوى، وبدل احتواء الحركية وتوسيع الاستفادة منها، ظل يجري التعامل معها كظاهرة غير شرعية يعاقب عليها القانون.

وبعيدا عن التأويلات السياسية التي لفّت مشروع مناطق التبادل الخمس، في إطار تحولات إستراتيجية تعرفها المنطقة خاصة بعد دخول قوى فاعلة على الخط، فإن خطوة الجزائر مع دول الجوار تبقى خيارا مشروعا وحقا لا غبار عليه، فهي التي تقتسم جوارا جغرافيا واجتماعيا حتميا مع تونس وليبيا والنيجر ومالي وموريتانيا والمغرب.

يستوجب الاعتراف بأن الجزائر تأخرت كثيرا في مثل هذه المشاريع، فما يلاحظ في مدينة وادي سوف ينطبق على مدن حدودية أخرى على غرار تندوف وتمنراست وإليزي وبرج باجي مختار، فهناك الحدود لا توجد إلا على الأوراق فقط، لأن السكان وتوزع العائلات بين البلدان المتجاورة وحركة الأفراد المستمرة يستوجبون احتواءهم في قنوات شرعية بما يخدم مصالح الجميع.

على شريط حدودي بري تقتسمه الجزائر مع دول الجوار يقدر بنحو سبعة آلاف كيلومتر، تطرح المسألة الأمنية بشدة منذ أمد طويل، فهناك تتحرك آلة الهجرة السرية والتهريب والاتجار بالمواد المحظورة، والجماعات المسلحة، وازدادت شدتها مع التحولات التي شهدتها المنطقة، لكن السؤال المطروح أي كمّ من الإمكانيات التي يتوجب على الجزائر رصدها لحماية حدودها، وهل تكفي المقاربة الأمنية وحدها لتحقيق ذلك؟

◙ خمس مناطق للتبادل الحر مع خمس دول مجاورة، هو مشروع لا ينطوي على الأبعاد التجارية والمبادلات فقط، بل يتضمن قراءة إستراتيجية تبحث عن نسج خيوط تكتل إقليمي

منذ سنوات دعا ناشطون سياسيون إلى المزج بين عسكرة ومدننة الحدود للحفاظ على سلامة الوطن، وأول أوجه مظاهر المدننة تشجيع الحياة الاجتماعية والمبادلات وترقية الخدمات في المدن الحدودية، لاحتواء جزء كبير مما هو غير شرعي، وهو ما يحيد هامش المخاطر، ويدرج المدنيين كما العسكريين في المهمة، ليس لأداء دور المخبرين الأمنيين، بل لحماية أنشطتهم ومبادلاتهم، ومناطق التبادل الحر هي فضاء مثالي لتحقيق المقاربة.

بهذا الطرح يتحقق المأثور الشعبي والقاعدة الاقتصادية معا، فهناك ظواهر ينتجها ويفرضها المجتمع مهما كانت حذاقة وذكاء المقاربة الأمنية، وما يتم تداوله عن حيل المهربين ومعاركهم مع الأمن والجمارك خير دليل على ذلك، فلما قررت السلطات الجزائرية غلق الحدود كليّا بسبب وباء كورونا، تروي شهادات من وادي سوف أن موردين كبارا من المدينة كانوا يستوردون بضائعهم نحو ليبيا، ثم يتم تهريبها إلى داخل الحدود.

مدن حدودية مؤهلة لأن تكون أكثر من مجرد منطقة للتبادل الحر، ومدينة تمنراست على رأسها، لو توفرت الإرادة السياسية والإمكانيات اللازمة لأمكن لها أن تكون عاصمة أفريقية بامتياز، بما تملكه من موقع جغرافي ووجهة مفضلة للوافدين من مختلف الأقطار، فضلا عن قربها من 15 عاصمة أفريقية، أكثر من قربها من عاصمة البلاد (2000 كيلومتر).

قيادات دول المنطقة يتوجب عليها مواكبة الأبعاد الاجتماعية والتجارية والمبادلات، فمناطق للتبادل الحر بين البلدان الستة، هي تحصيل حاصل متأخر، لأن هناك نسيجا اجتماعيا والعلاقات عريقة وحتمية وضرورية للأفراد كما للحكومات، وما يجري الآن هو وصول متأخر، لأن النشاط ليس مبادلات تجارية وعلاقات اقتصادية فقط، بل هو تحميل للمسؤولية السياسية والأمنية والإستراتيجية لروادها والناشطين فيها، للحفاظ على مصالحهم أولا وضمان ديمومتها ثانيا.

صابر بليدي
صحافي جزائري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه