جار ومجرور وشهيد مغدور

د. سحر أحمد علي
سوريا/ اللاذقية

مِن أغرب وأعجب الحوادث اللافتة التي جرت في أثناء الحرب المأزومة والأزمة السورية الأليمة حادثةٌ تقشعرّ لها الأبدان وتهز مشاعرَ كل من سمع بها !!
في حصار من كمين معادي استسلم بعض فتيتنا مرغمين وآخرون قُتلوا.. شخص حاول الفرار بعد أن نفدت ذخيرته.. وما إن وقعت عيناه على مجرور صحي في الناحية الأخرى من مكانه حتى خطر بباله الاختباء بداخله..لم يكن هناك خيار فإما الاستسلام وإما الهروب!! إما الأسر وإما الموت.. لم يكن هناك متسعٌ من الوقت للتفكير، اختار المجرور مرغماً على أمل العيش ومتابعة المقاومة بعد أن يستعيد معداته وقواه..
زحف منهكاً متثاقلاً وقد خُيّلَ له أنه في عالم الأشباح داخل هذا المجرور العفن..
تمر الأيام يوماً بعد يوم وهو لايدرك الوقت ولاالساعة متحملاً قذارة المجرور وعفونته.. أكثر مايريح باله أنه سيلتقي والدته الأرملة التي استُشهد زوجُها (ع.م) وخُطِفَ ابنُها الأكبر (و.م).. مرت ساعات طوال وربما أيام والحافز في تحمله الزحف المضني المتعب هو لقاء أمه وعزة الحياة.. وبقدرة ربانية وصل إلى ضوء النهاية!؟ نفض ما علق بجسده وثيابه من قاذورات المجرور وتوابعه.. مشى بتثاقل منهك القُوى، وما إن لاح له من بعيد شيء يتحرك وكأنه آلة سير 'موتور' حتى جرى مضطرب المشية من شدة التعب أشار له بيديه واقترب منه يستوقفه بتضرّع، ملحاً بطلبه، أرجوك قف، أرجوك، لم يتردد صاحب الموتور فلقد شعر أن هناك محتاجاً يستوقفه للمساعدة، دعاه لصعود الموتور مشفقاً عليه بعد أن سرد عليه قصته وعناءه، وبالمُصادفة عرف أنه من أبناء القرية المجاورة لقريته، لقد كان هذا الزمن من أشد الأزمان ضراوة وقسوة حيث أنه لم يكن هناك أمان لكثرة ما أصاب الناس من خداع العدو ومكره، صعد الجندي معتذراً خَجِلاً من صاحب النخوة 'الموتور' ممّا بدا من ثيابه المتسخة وشكله والسلك الأسود المبرقع بنفايات المجرور، فكان رد صاحب النخوة لاتقلها يا أخي بل إنها تعطر طريقي وكأنها بخور ومسك!!
لم يشعر بطول المسافة على الرغم من صعوبة الطريق الترابية وعتمة آخر الليل.. فقد كان كل تفكيره أن يلتقي الأم الحنون بعد غياب ضنين وضنين..
وحين اقترب من أعتاب قريته نزل شاكراً داعياً لفاعل الخير ذي النخوة لما قدمه من مساعدة.. مشى يجنح بساقيه كطفل يدادي في مشيته.. نظر إلى السماء ها هي تسعفه لرؤية طريقه بنور الفجر .. لكنه أحس بشيء مختلف تماماً كان الهدوء هدوءاً مرعباً للغاية.. فقريته كانت تضج باستيقاظ مزارعيها قبل الفجر وفتح عائلاتها أبواب البيوت والشبابيك.. الجميع مختفٍ لاصوتَ ولاحس.. كل شيء حوله مختلف؟ وصل بيته متحمساً شغفاً للقيا والدته.. طرق الباب.. طرقه أكثر من مرة وفي كلّ مرة يحاول طرقه بقوة على الرغم من ضعف قواه.. لكن لارد..أعاد قرع الباب وبكل عزمه.. سمعت الأم تكرار الطرق والذي جعلها بحالة قلق وخوف شديدين.. فما كان منها إلا أن صعدت سطح البيت المكشوف للأسفل بأصابع قدميها لتختلس النظر إلى عتبة البيت وترى شاباً بهيئة مخيفة وصورة غريبة وقد بدا في نظرها ومخيلتها كغريب في هيئة الغابرين يا إلهي هل وصل الأعداء إلى قريتنا ارتبكت ثم أدارت برأسها ولأن الزمن اللعين بوقتها كان كفيلاً أن يجعلها تراه غريباً ظالماً..لم تفكر بل لم تتردد للحظة لترى إلى جانبها حجارة كبيرة مسكتها بقبضة يديها لتسقطها بإحكام وبكل ماتملكه من قوة هادفةً رأسه!!؟
سقط الشاب والدم يعوم من رأسه كنوافير رجاء وتوسل!! اجتمعت الجارات وصغارهن على صراخها قائلة: قتلته قتلته قتلت من كان يهدد أمانكم وبيوتكم .. تعالوا وانظروا ماذا فعلت لقد قتلته بالحجارة قتلته بالحجارة.. والآن ماأنتن بفاعلات!! نظرن إليها من بعيد بإعجاب وتشجيع ثم تعالت أصوات زغرداتهن فرحاً وبهجة للعمل البطولي الذي أنجزته تلك السيدة.. وما إن اقتربن من الجثمان ليتأكدوا منه حتى سددن أنوفهن بمناديلهن لحدة رائحته الملطخة بالمجرور.. وفي الحال وصلت الأخبار إلى أحد المعنيين في القرية بما قامت به تلك السيدة فأتى يحييها بالعمل البطولي وقد أقدم مسرعاً ومن معه من أعوان ليحملوا الجثة ويضعوها في عربة المستوصف القريب وهناك حاولوا كخطوات بدائية تفتيش ماعلق في جيوبه من أوراق وكم كانت الصدمة عندما تأكدوا من هويته العسكرية واسمه عليها .. لم يستوعبوا الأمر بداية وكأنهم أمام حلم لم يفيقوا منه إلا بعد ساعة من الزمن .. وهنا كان لابد لهم أن ينشروا الخبر فما إن زف خبر اسمه بين أهالي القرية بأن المغدور ويدعى "ف. م" وهو ابن السيدة والأم نفسها التي أخطأت في قتله!!!
ياللهول مما جرى من حدث جلل !! ركضن نساء القرية إلى بيت الضحية مذعورات ملهوفات مزغردات بنحيب لا مثيل له!
لكن هذه الزغرودات في هذه المرة وبرغم قوتها لم تكن تسمعها جارتهن ( الأم الحنون) التي ما إن سمعت بحقيقة ولدها حتى نهشت بيديها وجنتاها وقلعت بهما عينيها اللتين أخطأتا النظر هذه المرة!!
ثم أتت بالحجارة التي رمت ضناها بها لتضرب بكل قوتها رأسها المصدوم!!..
إنه كرنفال الحب والحنان تخطئه الحرب وقلة الأمان.. وأية خطيئة تلك التي أشعلت آلاتها الموسيقية المتفاوتة الصاخبة الراكدة خارقة أذنيها فتضغط سمعها بتمزق طبلتيهما!! لتصبح صماء عمياء لاحول لها ولا قوة؟!.. إنها معزوفة حزن الأحزان.. سيمفونية تقشعر لها الأبدان ما بين الحرب والحنان!! أتساءل وغيري من الذين سمعوا بأغرب واقعة جرت خلال الأزمة السورية اللعينة.. فيتألم منها الألم ويحزن لحزنها الحزن.. أتساءل: ترى من قتل الآخر أهو الشاب الضحية أم الأم ؟؟؟!!!

قيم الموضوع
(0 أصوات)
د. سحر أحمد علي الحاره

شاعرة وكاتبة سورية

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه