المواطن المصري أولاً

بقلم محمد أبوالفضل آذار/مارس 01, 2024 44

المواطن المصري أولاً


عملية التسييس دخلت دروبا ومسارات غامضة وبالغ البعض في ربطها بالحرب الإسرائيلية على غزة أو أنها جزء من ترتيبات إقليمية جديدة وأنها تحمل خفايا لا علاقة لها بالاستثمار المتعارف عليه.

دعاية سلبية رذاذها أصاب المواطن المصري
ساد انطباع لدى فئة كبيرة من المصريين باقتراب عصر الرخاء، وأن مشاكلهم الاقتصادية أوشكت على الانتهاء، مع توقيع حكومتهم على صفقة ضخمة مع شركة إماراتية لاستثمار منطقة رأس الحكمة في شمال غرب البلاد، وأن عوائدها المقدرة بـ150 مليار دولار في غضون سنوات قليلة تكفي لإخراجهم من ضائقتهم الراهنة.

تسبب ارتفاع سقف التفاؤل الذي أشاعته بعض وسائل الإعلام المصرية في رفع سقف الطموحات لدى المواطنين، حيث جرت المبالغة في النماء الذي بُشر به من دون أن تتوافر معلومات كافية حول الصفقة وجدواها ونتائجها الاقتصادية بصورة تفصيلية.

تحتاج السلطات المصرية أن توضح للمواطنين مباشرة، ماذا يعني مشروع مثل رأس الحكمة، وما هي قيمته الاستثمارية على المديين القريب والبعيد، فغياب الوضوح يترك الأمر نهبا للمتصيدين من المعارضين في توجيه أنواع عدة من الاتهامات للحكومة، وأنها تغامر بما تمتلكه الأجيال، وقيل إنها “تبيع البلد”، وهذا أمر لا ينبغي أن تقوم به دولة الإمارات، الطرف الثاني في الصفقة، فقد تتهم بمراعاة مصالحها.

◙ الكثير من التفاصيل لم تصل إلى المواطن وتُرِك نهبًا لدعاية سلبية وأصابه رذاذها ولو لم يطلع على الصفقة مباشرة، فما تردده مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع يتسرب إلى وجدان الناس بسهولة

نأت دولة الإمارات عن الزج بنفسها في معترك صاخب انخرطت فيه بعض القوى المعارضة أو المتضررة من المشروع، وتركت الأمر في يد الحكومة المصرية لتقوم بمهمة التوضيح اللازم، حتى تبدو البيئة مشجعة للمزيد من المشروعات الأخرى، ويعلم أن من يقدم على الاستثمار في مصر الدولة أن تلك المشروعات كفيلة بالدفاع عنه.

لم توفر الحكومة المعلومات الكافية حتى الآن حول أهمية هذا النوع من الصفقات، ما أدى إلى تسييس مشروع بحجم رأس الحكمة بدلا من قصره على الشق الاستثماري كهدف للمشاركين فيه، والذي يمهد لحل جزء معتبر من الأزمة الاقتصادية الحادة في مصر، أو على الأقل يخفف منها حاليا ويفتح المجال لمشروعات أخرى جذّابة.

دخلت عملية التسييس دروبا ومسارات غامضة، وبالغ البعض على مواقع التواصل الاجتماعي في ربطها بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، أو أنها جزء من ترتيبات إقليمية جديدة، وأنها تحمل خفايا لا علاقة لها بالاستثمار المتعارف عليه.

لو تعاملت القاهرة بقدر عال من الوضوح عقب التوقيع على هذه الصفقة لما واجهت انتقادات صماء أو اتهامات بلا أدلة، ولا تزال الفرصة مواتية أمام الحكومة لتبني نهج الشفافية، فالمشكلة ليست في ارتفاع صوت المعارضة التي ربما تنشغل بقضية أخرى قريبا عندما تتأكد أن صراخها لم يعد مجديا، بل في المواطن البسيط الذي وصله شعور أن مشاكله الحياتية سيتخلص منها بموجب هذه الصفقة، فما بالنا إذا عقدت صفقات في أماكن أخرى ولم يجد المواطن ما حلم به من تغير في مستوى معيشته؟

ربما تكون ردة الفعل قاسية في هذه اللحظة، على المواطن والحكومة معا، إذ يمكن أن يفقد الأمل في تحسن أوضاعه، وهي زاوية تدفعه لارتكاب حماقات مزعجة لأمن واستقرار الدولة، وهما الهدف الرئيسي في ما يتم توقيعه من صفقات اقتصادية.

علاوة على أن الحكومة التي روّج إعلام قريب منها بأن الحياة بعد الصفقة ليست كما كانت قبلها، قد تفاجأ بأنها في موضع اتهام بأنها غير قادرة على الإدارة الاقتصادية وأخفقت في القراءة السياسية لما تمر به البلاد من أوضاع في صميم الأمن القومي.

◙ السلطات المصرية تحتاج أن توضح للمواطنين مباشرة، ماذا يعني مشروع مثل رأس الحكمة، وما هي قيمته الاستثمارية على المديين القريب والبعيد

المواطن المصري هو الغاية والهدف في أجندة الحكومة الرشيدة، فإذا لم يستطع الوثوق برؤيتها لن تتمكن من تنفيذ صفقاتها بالأريحية التي تتمناها، وصفقة كبيرة مثل رأس الحكمة بحاجة إلى دراسة معمقة، قيل إن الحكومة قامت بها الفترة الماضية.

غير أن ظهورها وسط أحداث سياسية ساخنة وتطورات أمنية عاصفة هو الذي أدى إلى الربط بينهما، وسوف يزداد هذا الاتجاه صعوبة كلما تأخرت القاهرة في تقديم معلومات دقيقة لمن درجوا على طرح أسئلة غزيرة بغرض إحراج قيادتها.

أصبحت فضيلة الصمت وعدم الرد على ما يطرح من انتقادات والاكتفاء بنشر التفاؤل حول الجنة الموعودة والدعاية لرشادة الحكومة وفطنتها، محاولات لن يتعدى صداها المحيطين بها، وإذا كانت النخبة تهمها التفاصيل الصغيرة، فما يهم المواطن البسيط هو الخطوط العريضة الصادقة التي تمكنه من معرفة مصير أولاده بعد سنوات قليلة، وهل الحكومة تركته للمجهول أم حريصة على إنقاذه؟

لا توجد حكومة تعترف بالمجهول، وكل الحكومات تقر بالعمل من أجل الإنقاذ، لكن في ظل حملة عارمة من التشويش حول رأس الحكمة والسياسات التي تتبناها الحكومة، وبعضها ثبتت أهميته الاقتصادية، تحتاج المسألة إلى شرح وتوضيح واسعين.

أحد المشاكل التي واجهتها، ولا تزال، القاهرة عدم القدرة على توصيل معلوماتها للمواطنين بطريقة صحيحة، ما جعلها متهمة بالسرية والغموض والالتفاف على الأهداف المشروعة، وربما المشاركة في “مؤامرة” إقليمية، وهي استنتاجات خطيرة وخاطئة، إلا أن ترديدها مستمر على ألْسنة قوى معارضة.

◙ ارتفاع سقف التفاؤل الذي أشاعته بعض وسائل الإعلام المصرية تسبب في رفع سقف الطموحات لدى المواطنين، حيث جرت المبالغة في النماء الذي بُشر به من دون أن تتوافر معلومات كافية حول الصفقة

أنجزت الحكومة المصرية بعض المشروعات العملاقة، وشعرت شريحة صغيرة من المواطنين بأهميتها، لكن الشريحة الأعظم لم تستفد منها مباشرة، ما أدى إلى تقزيمها في نظر هؤلاء وجعلها قليلة أو معدومة الفائدة، كما أن برامج الحماية الاجتماعية الكثيرة المنتشرة بطول البلاد وعرضها والموجهة إليهم فائدتها محدودة، فالجهود التي تبذلها الحكومة لتعميمها غير قادرة على تلبية احتياجات القطاعات المستهدفة.

ما لم تقدم الحكومة تقريرا وافيا لما تقوم به من مشروعات عملاقة، مثل رأس الحكمة، سوف تظل الصورة المبتورة المرسومة في عقول هؤلاء سلبية، حيث يعتقدون أنها موجهة إلى ذوي الحظوة كسابقتها، وهو أمر يصب في صالح الدعاية السوداء من جانب المعارضة لهذا المشروع، بينما لم تشرع الحكومة بعد في تفنيد هذه الاتهامات.

إذا كان هذا المشروع موجها إلى طبقة معينة وله أهداف سياحية واستثمارية، فجزء مهم من نتائجه سوف تتجه إلى المواطنين البسطاء، من خلال ما يستوعبه من عمالة وعبر انتعاش الاقتصاد المصري في أحد مجالاته الرئيسية، كعنصر محفّز لقطاعات أخرى، تصطحب معها حصيلة يمكن توجيهها لصالح فئة كبيرة من الناس، فعندما يكون هناك رخاء في منطقة أو مجال، فهذا دليل على صواب التوجهات الاقتصادية.

لم تصل الكثير من التفاصيل إلى المواطن وتُرِك نهبًا لدعاية سلبية وأصابه رذاذها ولو لم يطلع على الصفقة مباشرة، فما تردده مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع يتسرب إلى وجدان الناس بسهولة، خاصة عندما يتعلق بالنميمة التي يطرب لها الناس، ولذلك من الخطأ أن تثق الحكومة في خطواتها وتتجاهل ما يدور حولها من افتئات يكفي لتشويه وجه الاستثمار لفترة طويلة.

محمد أبوالفضل

كاتب مصري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه