الفن‭ ‬والشعر‭..‬والدولة

بقلم محمد زكي ابراهيم آذار/مارس 01, 2024 42

الفن‭ ‬والشعر‭..‬والدولة

 

محمد زكي ابراهيم

 

يبدو‭ ‬أن‭ ‬أفكار‭ ‬عصر‭ ‬الأنوار،‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬ركائز‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موضع‭ ‬قبول‭ ‬لدى‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬ولم‭ ‬تعجب‭ ‬مؤرخين‭ ‬أوربا‭ ‬الكبار،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬انطباع‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬الصغيرة‭ ‬انتهى‭ ‬أوانها،‭ ‬وحل‭ ‬عصر‭ ‬القوة،‭ ‬الذي‭ ‬يعني‭ ‬عدداً‭ ‬ضخماً‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬واتساعاً‭ ‬هائلاً‭ ‬في‭ ‬المساحة،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تعبير‭ ‬الدولة‭ ‬الصغيرة‭ ‬بات‭ ‬موضع‭ ‬تندر‭ ‬وسخرية،‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬البقاع،‭ ‬وأهمها‭ ‬يومئذ‭ ‬المدن‭ ‬الألمانية،‭ ‬وقد‭ ‬وجد‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬روح‭ ‬العدل‭ ‬والأخوة‭ ‬والمساواة،‭ ‬التي‭ ‬بشر‭ ‬بها‭ ‬فلاسفة‭ ‬عصر‭ ‬الأنوار‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬العنف‭ ‬لتصبح‭ ‬حقيقة‭ ‬واقعة،‭ ‬ولا‭ ‬سبيل‭ ‬لذلك‭ ‬سوى‭ ‬الدولة‭.‬

في‭ ‬وقت‭ ‬ما،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬شئ‭ ‬اسمه‭ “‬الجنسية‭” ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬المواطن‭ ‬سمة‭ ‬الانتماء‭ ‬للدولة‭. ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬مقاطعات‭ ‬متجانسة،‭ ‬يمتلك‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬تقاليد‭ ‬راسخة،‭ ‬وتاريخاً‭ ‬خاصاً،‭ ‬ولهجة‭ ‬مميزة،‭ ‬وكان‭ ‬الشعور‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بينها‭ ‬هو‭ ‬شعور‭ “‬وطني‭”‬،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الشعور‭ “‬القومي‭” ‬قد‭ ‬ولد‭ ‬بعد،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬‭”‬الجنسية‭” ‬هي‭ ‬نتاج‭ “‬قومي‭” ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭.‬

بل‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المؤرخين‭ ‬مثل‭ ‬شلوتسر‭ (‬ت‭ ‬1809‭) ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬الدولة‭ ‬تتحدد‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية،‭ ‬واتساع‭ ‬جغرافي،‭ ‬لا‭ ‬بالفن‭ ‬والشعر‭ ‬الذي‭ ‬برعت‭ ‬فيهما‭ ‬جماعة‭ ‬عصر‭ ‬النهضة،‭ ‬ولا‭ ‬عمل‭ ‬للدولة‭ ‬لديه‭ ‬غير‭ ‬السياسة‭.‬

‭ ‬واستطراداً‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق‭ ‬إلى‭ ‬اندماج‭ (‬5‭) ‬مقاطعات‭ ‬ألمانية‭ ‬مع‭ ‬بعضها،‭ ‬وانتظام‭ (‬4‭) ‬مقاطعات‭ ‬إيطالية‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬واحدة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعرضت‭ ‬إلى‭ ‬غزوات‭ ‬نابليون‭ ‬بونابرت،‭ ‬وسقطت‭ ‬الواحدة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬قبضته‭.‬

إن‭ ‬تتابع‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث،‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬أتينا‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬منه،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬حمل‭ ‬البلدان‭ ‬الناطقة‭ ‬بالعربية‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد،‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬بالوحدة،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬يشعر‭ ‬بالضعف‭ ‬الشديد،‭ ‬والعجز‭ ‬التام،‭ ‬تجاه‭ ‬أي‭ ‬خطر‭ ‬قادم‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬أي‭ ‬منها‭ ‬يضم‭ ‬أعداداً‭ ‬كافية‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬الثلاث‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬مثلاً،‭ ‬لا‭ ‬تضم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬وربع‭ ‬المليون‭ ‬إنسان،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬البلدان‭ ‬الأخرى‭ ‬أفضل‭ ‬حالاً،‭ ‬ومثل‭ ‬هذه‭ ‬الأعداد‭ ‬الضئيلة‭ ‬لا‭ ‬تشكل‭ ‬أي‭ ‬معلم‭ ‬من‭ ‬معالم‭ ‬القوة،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬منح‭ ‬العديد‭ ‬منها‭ ‬صفة‭ ‬الدولة‭.‬

‭ ‬وللأسف‭ ‬فإن‭ ‬حلم‭ ‬الدولة‭ ‬الكبرى‭ ‬قد‭ ‬أجهض‭ ‬تماماً‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬حزيران‭ ‬1967‭. ‬وصرف‭ ‬العرب‭ ‬النظر‭ ‬عنه،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نمت‭ ‬أعداد‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬بلدانهم،‭ ‬وقررت‭ ‬منظمات‭ ‬وأحزاب‭ ‬قومية،‭ ‬التخلي‭ ‬عنه‭ ‬لصالح‭ ‬حلم‭ ‬فاشل‭ ‬آخر،‭ ‬مناقض‭ ‬له‭ ‬تماماً،‭ ‬هو‭ ‬الأممية‭.‬

‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يلفت‭ ‬النظر‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ ‬والشعر،‭ ‬اللذين‭ ‬كان‭ ‬ينظر‭ ‬لهما‭ ‬شلوتسر‭ ‬باحتقار،‭ ‬مزدرياً‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تراث‭ ‬اليونانيين‭ ‬القدماء‭ ‬أيضاً،‭ ‬كانا‭ ‬عاملين‭ ‬مهمين‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬الاصطفاف‭ ‬القومي‭ ‬عند‭ ‬العرب،‭ ‬وهما‭ ‬اللذان‭ ‬يجمعانهم‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬ويحاولان‭ ‬رأب‭ ‬ما‭ ‬تصدع‭ ‬من‭ ‬أحلامهم،‭ ‬التي‭ ‬عصف‭ ‬بها‭ ‬واقعهم‭ ‬المرير‭.‬

ربما‭ ‬سيكون‭ ‬على‭ ‬العرب‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المصير‭ ‬المحزن،‭ ‬الذي‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬أوضاعهم،‭ ‬تحت‭ ‬ضربات‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬والعنف‭ ‬كأسمى‭ ‬مبدأين‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬نقطة‭ ‬الشروع‭ ‬التي‭ ‬افترضتها‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬للإجهاز‭ ‬على‭ ‬الكيانات‭ ‬الصغرى،‭ ‬ومنعها‭ ‬من‭ ‬التقدم‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬الدول‭ ‬الصغيرة،‭ ‬التي‭ ‬تعملقت‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت،‭ ‬حتى‭ ‬زاد‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬مجتمعة‭ ‬قبل‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تشعر‭ ‬أنها‭ ‬كيانات‭ ‬صغيرة،‭ ‬وباتت‭ ‬تظن‭ ‬أنها‭ ‬بلغت‭ ‬مبلغ‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬العون‭ ‬من‭ ‬جاراتها‭ ‬العربيات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أثبتت‭ ‬بطلانه‭ ‬الحوادث‭ ‬المتلاحقة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وربما‭ ‬ستجبرها‭ ‬الظروف‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬مجدداً‭ ‬في‭ ‬ائتلاف‭ ‬يحميها‭ ‬من‭ ‬الأذى‭ ‬والقهر‭ ‬والعدوان‭.‬

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه