تجربة تستحق الدرس والمراجعة .. دوار السيليكون وليس واديه ..!!!

تحسين الشيخلي

من المعروف أن (وادي السليكون Silicon Valley) يعد اليوم عاصمة العالم التقنية بما فيه من الآف الشركات العاملة في مجال التقنيات المتقدمة والتي تتخذ من هذه البقعة الجغرافية مركزًا لمقراتها الرئيسية.ولكن، ما هو وادي السليكون) ؟
وادي السليكون هو منطقة جغرافية تقع جنوب خليج مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأمريكية. وهو كمكان يتميز بكثرة الخضرة والطبيعة فيه من قبل أن يصير مركزاً لشركات التقنية، كان بمثابة مجتمع ريفي يقوم على أنشطة الزراعة والفلاحة. الآن، يضم الوادي 28 مدينة وأربع مقاطعات، ويقطنه 2.5 مليون نسمة، ويضم آلاف الشركات بين مساحاته الخضراء الشاسعة. الموضوع بدأ دون تخطيط مسبق أو بشكل مقصود، فقد صيغ اسم (وادي السليكون) في عام 1971 من قبل الصحفي دون هوفلر رئيس تحرير مجلة Electronic News الذي استخدم هذا المصطلح في مجلته كعنوان لسلسلة من المقالات حول (صناعة أشباه الموصلات) في مقاطعة سانتا كلارا من مادة (السليكون)، وهي المادة التي تُصنع منها رقائق أشباه الموصلات، والتي هي المنتج الأساسي للصناعات التكنولوجيا الفائقة، وتقوم عليها كافة صناعات الحواسيب وما يتعلق بها.
فعليا تعود شهرة منطقة (وادي السيليكون ) إلى بداية القرن الماضي، عندما تم اختراع التلغراف الذي استخدمه الجيش لتبادل الرسائل بين القواعد العسكرية، ومن هنا استمرت الاختراعات التكنولوجية في هذه المنطقة التي تقع في الغرب الأميركي، شمال كاليفورنيا.
وساعد هذا التاريخ في تحول كثيرين نحو وادي السيليكون لتأسيس شركاتهم التكنولوجية، لكن أغلب الأبحاث ترجع نجاح وادي السيلكون إلى وجود جامعة ستانفورد، إحدى أكبر وأعرق الجامعات الأميركية، التي تأسست في العام 1885 وركزت منذ تأسيسها على البحث العلمي في مراكز متخصصة ومساعدة الطلاب على تأسيس أعمالهم.
وفي الستينيات لعب عميد الجامعة فريديريك ترمان، الذي يُلقب (الأب الروحي) لوادي السيليكون، حيث أسس وحدات بحثية متخصصة ضمن الجامعة لتساعد الطلاب والمبادرين على تأسيس شركاتهم بما فيها تمويل المشروعات ومدهم بالأبحاث الضرورية، وكان سببا في ظهور شركة (hp) التي أطلقها رواد أعمال عملوا من كراج منزلهما هما (بيل هيوليت) و (ديفيد باكارد) واستخدما أبحاث "ستانفورد" لتطوير أعمالهما.
إلى مطلع القرن العشرين، كانت الكثير من الشركات التقنية قد بدأت العمل في هذه المنطقة، إلا أنه بعد اختراع )الترانزستور( المصنوع من السليكون في الخمسينيات على يد الفيزيائي الأمريكي )ويليام شوكلي( بدأت نهضة فعلية في تلك الصناعة.
شهد الوادي في مطلع الثمانينيات تحولات حقيقية في حجم الاستثمارات، مع تطور التقنية وازدهار صناعة المعالجات والحواسيب والبرمجيات في ذلك الوقت، وكذلك بعد النجاح المذهل الذي حققته شركة ( Apple). احتفل المكان بضم العديد من الشركات العاملة على تطوير صناعة متكاملة بدءاً من الدوائر الإلكترونية، والمعالجات، وأجهزة الكمبيوتر الشخصية وألعاب الفيديو، ومحركات البحث ومواقع الفيديو، إلى الكثير من منتجات التكنولوجيا العالية مثل الآلات الحاسبة للجيب والهواتف اللاسلكية، وأشعة الليزر أو الساعات الرقمية والجوالات الذكية، والسيارات الكهربائية ذاتية القيادة.
وادي السليكون يتمتع ببنية تحتية فائقة التطور، والأراضي هناك مرتفعة التكلفة، إلا أن مجموعات كبيرة جداً من كبرى شركات التقنية تتخذ منه مقراً لها، بالإضافة إلى المراكز البحثية المهمة، منها المركز البحثي لجامعة ستانفورد، ووكالة ناسا ومركز بيريكلي. كذلك يضم وادي السليكون العديد من الشركات الناشئة المدعومة برأس المال الاستثماري والتي تتأسس هناك بمعدل متسارع وبين ليلة وضحاها بشكل غير معقول. هناك أيضاً منشآت أخرى مثل متحف تاريخ الكمبيوتر و3 مطارات تحيط بالوادي وفنادق ومناطق سكنية.
وادي السليكون ليس فقط المكان الذي يوجد فيه كبرى الشركات، لكنه المجتمع الذي تتشجع فيه الشركات على إعادة الاختراع والابتكار، وتنمو فيه الكيانات الصغيرة حتى تنجح وتصل بمنتجاتها وخدماتها إلى العالم. اليوم، تبلغ القيمة السوقية للشركات التقنية الموجودة في (وادي السليكون) أكثر من 3 تريليونات دولار أمريكي، ويُذكر أن العام الماضي، كان كل خرّيج من ضمن 5 من خريجي كليات إدارة الأعمال الأمريكية ينضم للعمل في مجال التقنية وفي الأغلب ينضم لشركات الوادي.
على غرار وادي السليكون بكاليفورنيا الأمريكية، تم إنشاء Silicon Roundabout (دوار السيلكون)كمساحات مخصصة لشركات التقنية في بريطانيا، و Silicon Glen في إسكتلندا، وSilicon Allee في ألمانيا..
(دوار السيليكون Silicon Roundabout ) في بريطانيا، المعروف أيضًا باسم (مدينة التكنولوجيا)، هو مركز مزدهر للتكنولوجيا والأعمال التجارية الرقمية ويقع في شرق لندن. لقد اكتسب هذا المجال اهتمامًا واستثمارًا دوليًا نظرًا لتركيزه على الشركات الناشئة والحاضنات والمسرعات، مما يخلق نظامًا بيئيًا نابضًا بالحياة للابتكار وريادة الأعمال.
منذ عام 2010، دعمت ورعت الحكومة مشروع يهدف الى إنشاء مجموعة مماثلة لوادي السليكون في الولايات المتحدة. أعلن رئيس الوزراء في حينها ديفيد كاميرون عن خطط لتسريع نمو المجموعة ودعمها.
منذ عام 2010، مع تطور المجموعة، جذب المشروع العديد من الشركات التي أستثمرت في المنطقة وصل عددها في العام 2023 الى (5000) شركة ، معظمها شركات ناشئة ، أضافة الى أن جامعة لندن بفرعيها سيتي ومتروبوليتان، إمبريال كوليدج لندن، جامعة كوين ماري في لندن وكلية لندن الجامعية جميعهم شركاء أكاديميون في المشاريع القائمة في المجموعة.
وشملت هذه الشراكة على توفير مساحة عمل مشتركة وبرنامج تسريع لطلاب وخريجي المدينة من خلال افتتاح جامعة لندن (كلية كاس للأعمال). كما أسست كلية أمبريال كوليدج لندن شركة أستشارية لتقديم المشورة بشأن إنشاء مساحة لتسريع الشركات الناشئة ،واتفقت جامعة لوبورو وكلية لندن الجامعية على العمل مع شركة لإنشاء جسر بين الأوساط الأكاديمية والمؤسسات في المنطقة ،كما ان جامعة لندن متروبوليتان لديها مسرع الطلاب الخاص بها وحاضنة للأعمال .
كما أستقطبت المنطقة مقدمو الخدمات المالية والمهنية مثل مصرف باركليز الذي وافق على إنشاء منشأة جديدة لتقديم الخدمات المصرفية المتخصصة لشركات التكنولوجيا المتمركزة في المنطقة . وهناك شركات متخصصة لتقديم المشورة المحاسبية والضريبية لشركات التكنولوجيا في مراحلها المبكرة ومساعدة الشركات الجديدة التي تبدأ أعمالها في المنطقة.
جمعت شركات التكنولوجيا الموجودة في دوار السليكون بشكل جماعي 5.2 مليار دولار من تمويل رأس المال الاستثماري في العام 2023.
يكمن نجاح دوار السيليكون البريطاني في مزيجه من الإبداع والموهبة وروح المبادرة، مما يجعله مكانًا ديناميكيًا ومثيرًا لعشاق التكنولوجيا والشركات الناشئة على حدٍ سواء.
هو درس أخر للحكومات في البلدان النامية لتعيد التفكير في خططها المستقبلية وخاصة الاقتصادية منها وتدرك ان الاقتصاد الرقمي يمثل فرصة لتنوع ايراداتها الاقتصادية ويساهم في التغلب على مشاكل مجتمعية عديدة على رأسها بطالة الشباب.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
د. تحسين الشيخلي

كاتب واكاديمي عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه