الفن أسلوب حياة.. أو لا يكون

الفن أسلوب حياة.. أو لا يكون


أهم من العمل الفني نفسه هو ما ينسجه المجتمع حول الفنان، وما ينسجه الفنان حول نفسه.

انشغال بفريدة كاهلو الإنسانة قبل الفنانة
مَن أكثر شهرة، فريدا كاهلو الإنسانة أم فريدا كاهلو الفنانة؟ ولماذا يزور أكثر من نصف مليون زائر سنويا المنزل الذي ولدت وعاشت فيه بعد زواجها من دييغو ريفيرا في مكسيكو سيتي؟

هل لأنها واحدة من أبرز رسامي القرن العشرين، أم بسبب ما نسج وكتب حول حياتها الشخصية وآرائها السياسية ومرضها الذي لم يمهلها طويلا فرحلت عن 47 عاما.

رغم دراستي الرسم لخمس سنوات، وتخرجي بامتياز، لم أمارس الرسم منذ أن وصلت لندن بداية الثمانينات. اكتفيت بزيارة صالات العرض والمتاحف ومرافقة أصدقاء فنانين وتجميع كتب حول تاريخ الفن والنقد الفني.

لم يكن ذلك بسبب قرار اتخذته، ولكن لقناعة مني أن الفن ليس مهارات تقنية.. الفن أسلوب حياة. هكذا كان دائما، وهكذا سيكون.

فان كوخ، مات وهو مؤمن بأنه لا يتقن فن الرسم (بالمفهوم التقني)، وهو واحد من أهم الفنانين، عرفناه من خلال حياته الغريبة والأشهر التي أمضاها في مصح للأمراض العقلية، وقطع أذنه وتقديمها هدية لمومس، ثم إنهاء حياته منتحرا بعد أن رسم آخر عمل له، حقل القمح والغربان.

لوتريك وإدمانه الجلوس في ملهى مولان روج الباريسي بحي البيغال.. مودلياني، وغوغان، ودالي، وهوكني، وفرويد، ودييغو ريفيرا زوج كاهلو.. وصولا إلى تريسي آمين. كلها قصص إنسانية قبل أن تكون فنية.

كنت في لندن عندما صدمت تريسي آمين المجتمع البريطاني عام 1997 بمشاركتها في معرض “سينسيشن” بعملها الذي حمل عنوان “إيفري ون آي هاف إيفر سليبت ويذ”، وهو خيمة مزينة بأسماء كل من ضاجعتهم في حياتها.

كما أثارت جدلا واسعا عندما ظهرت ثملة في برنامج تلفزيوني يبث مباشرة على الهواء وقالت عبارات فاحشة ومسيئة.

وبعد عامين (عام 1999) رشحت آمين لجائزة ترنر البريطانية التي تمنح لأفضل فنان بريطاني، أو مقيم في بريطانيا، تحت سن 50 عاما.

حينها عرضت آمين عملا آخر مثيرا للجدل “ماي بيد”، وهو سريرها الوسخ والفوضوي الذي قضت فيه أسابيع من الاكتئاب والانهيار العاطفي. وكانت واحدة من أربعة مرشحين للفوز بالجائزة، إلى جانب ستيف ماكوين، وستيفن بيبلز وكاثرين ياس.

في ذلك العام فاز ستيف ماكوين، وهو فنان ومخرج فيديو وسينما، من خلال عرض عمله الفني “ديد سليب”، وهو فيلم مثير للجدل أيضا (24 دقيقة)، يظهر فيه مشاهد من مشرحة في لندن. ويتناول العمل موضوع الموت والحياة والجمال والقبح.

ولطالما أثارت الجائزة التي ينظمها متحف تيت في لندن الجدل، إلا أن هذا لم يمنع أن تصبح آمين واحدة من أشهر الفنانين في العالم.

عشرات ومئات من الفنانين العابرين الذين تبهرنا أعمالهم، سرعان ما يطويهم النسيان، وحدهم الذين تركوا انطباعات خاصة من خلال أسلوب حياتهم يبقون في الذاكرة.

أهم من العمل الفني نفسه هو ما ينسجه المجتمع حول الفنان، وما ينسجه الفنان حول نفسه.

بعد مرور أكثر من 500 عام مازال العالم منشغلا بتفسير ابتسامة الموناليزا، وهل هي ابتسامة غلام أم فتاة، ونسي إسهام ليوناردو دافينشي في تأسيس البعد الثالث للوحة.

ما هو مؤكد الآن أن العالم سيبقى 500 عام أخرى مشغولا بفريدة كاهلو الإنسانة أكثر من انشغاله بفريدة كاهلو الفنانة.

علي قاسم

كاتب سوري مقيم في تونس

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه