الاقتصاد اللبناني قبل الحرب الاهلية

عمر سعد سلمان

مع مطلع سبعينات القرن الماضي، كان نمو الاقتصاد اللبناني جيد ونسبة التضخم منخفضة بالتزامن مع امتلاك لبنان خدمات تعليمية متقدمة وبطالة منخفضة، لكن هذه الأوضاع لم تكن كافية ومتوازنة بل كان لها انعكاسات سلبية على المجتمع اللبناني.
اعتمد الاقتصاد اللبناني على 5 قطاعات (التجارة والزراعة والصناعة والسياحة والمصارف) فقد عرف لبنان منذ القدم بنشاطه التجاري الممتد الى أكثر بلدان البحر المتوسط، كحلقة وصل ما بين الشرق والغرب، ولعل العامل الجغرافي قد جعل لبنان ممراً بين القارات وبين الدول المنتجة للنفط والدول المستهلكة له. فالتجارة بأنواعها لعبت دوراً مهماً في توليد الإيرادات الى لبنان بنسبة 30%. وقد أدت التجارة الى انفتاح لبنان على السوق العالمية والتوجه الاقتصادي نحو الخارج مما انعكس بالتالي الى التبعية المتزايدة أكثر فأكثر للبلد حيال السوق العالمي، وهذا أدى الى تطور اقتصادي كبير.
لقد اهتمت الدولة اللبنانية آنذاك بسن التشريعات التي تكرس الحرية التجارية والتي تزيل القيود على التصدير والاستيراد، مع الحفاظ على الصناعة الوطنية، وشجعت الدولة على تأسيس الشركات عبر الإعفاءات الضريبية والتسهيلات الائتمانية للقطاع التجاري بالإضافة الى تشجيع تدفق الاستثمارات الأجنبية. وبالتالي أصبح لبنان حلقة وصل في شبكة التجارة العالمية، وأصبحت تجارة الترانزيت مورداً أساسياً من موارد لبنان المالية.
تعد الزراعة المورد الثاني بعد التجارة في لبنان وارتبط القطاع بخطط النمو الاقتصادي والاجتماعي وتمكن من تحريك المواد الأولية اللبنانية، لكن هذا القطاع بدأ بالتراجع فعلياً قبل نشوء الحرب الاهلية اللبنانية وأصبحت مساهمته لا تتعدى الـ 9% من الناتج الإجمالي المحلي نتيجة عدم الاهتمام بمشاريع الري مثل مشروع سهل البقاع واستغلال نهر الليطاني، اذ واجهت الدولة اللبنانية صعوبات فنية ومالية حالت دون تنفيذ المشروع رغم إنفاق ملايين الليرات آنذاك لغرض دراسته واستخدام الخبراء الأجانب. كما ان لبنان كغيره من دول العالم الثالث في تلك الحقبة برزت صعوبة التسليف لدى غالبية المزارعين لتحويل أعمالهم الزراعية وبالتالي أدت الى انعكاسات سلبية على الزراعة لاسيما ان أصحاب الحيازات الصغيرة لم يتلقوا الاهتمام الكافي لتمكينهم من الاستمرار في استثمار أراضيهم.
مطلع سبعينات القرن الماضي كان لبنان يستورد اكثر من ثلثي احتياجاته الغذائية الأساسية ووجد مضطراً لاخضاع أسعار البيع الداخلية لمستويات الأسعار للمنتجات الغذائية والتي تفرضها سياسة الشركات العابرة للقارات دون مراعاة مستوى تطور القوى المنتجة المحلية ولا مستوى دخل المواطنين اللبنانيين في مقابل انحسار الزراعة المحلية التي كانت تشغل الآلاف المزارعين اللبنانيين، انطلقت عملية التوجيه نحو الأرباح فقط من خلال التركيز على النشاطات الزراعية التي تستهدف التصدير والتي يستفيد منها القلة من كبار المزارعين والتي تنحصر في زراعة الفواكه وتربية الدواجن والتي مثلت 70% من الصادرات الزراعية اللبنانية من 1970 ولغاية اندلاع الحرب الاهلية عام 1975، ان غياب البنى التحتية الكافية لخدمة الزراعة وضعف الطاقة المحلية قد أدى في النهاية لانهيارها.
استغل التجار وأصحاب الآلات وموزعي الأسمدة والمصارف الصعوبات المالية التي كان يعاني منها الفلاح اللبناني واجبروه على التخلي عن ارضه وان يهاجر خارج لبنان او ينتقل الى المدن. ففي الوقت الذي كان فيه نصف سكان لبنان يعيشون على الزراعة نهاية خمسينات القرن الماضي، فقد تراجعوا الى 41% عام 1970 ثم تقلصوا الى 20% عام 1975.
تعد الصناعة من القطاعات المهمة في الاقتصاد اللبناني والتي تركز على الصناعات التحويلية تبنى اما على خطة التصدير لتلبية احتياجات السوق الخارجي وتعمل داخل مناطق حرة صناعية او على استراتيجية تلبية حاجات الأسواق الداخلية اولاً ومن ثم تصدير الفائض. وبسبب الانفتاح الكبير للاقتصاد اللبناني تجارياً مع العالم الخارجي أدى الى عجز الصناعة اللبنانية عن منافسة المستورد الأجنبي، واتخذت الحكومة اللبنانية عام 1971 قراراً بزيادة الرسوم الجمركية على السلع الكمالية المستوردة لدعم الصناعة المحلية لكن ذلك أدى الى ردود فعل سياسية واجتماعية سلبية وزيادة نقمة التجار الذين رفعوا الأسعار وضغوط على بعض نواب البرلمان لغرض الغاءه، وبعد 15 يوماً فقط تم إلغاء القرار من قبل رئيس الجمهورية اللبنانية. واجهت الصناعة اللبنانية الكثير من المعوقات والتي منعتها من التقدم وتحويل لبنان الى دولة صناعية، أولى هذه المعوقات هي عدم وجود سوق محلي كبير لغرض تصريف المنتجات الى جانب عدم توفر المواد الخام التي تحتاجها الصناعة اللبنانية مما يزيد من كلف الإنتاج نتيجة تحمل كلف نقل هذه المواد من الخارج.
وتوجهت الدولة اللبنانية الى قطاع السياحة كبديل عن الصناعة، اذ ان طبيعة لبنان الجغرافية وما يتمتع به من مقومات سياحية تقوم على المناظر الطبيعية والآثار التاريخية المهمة والمناخ المعتدل مما دفع الدولة اللبنانية الى تنمية القطاع السياحي الذي واكب التطور الحاصل عالمياً خصوصاً مع تشديد الحكومة اللبنانية على جميع موظفي الامن العام والجمارك بوجوب تسهيل الوافدين وإنجاز معاملاتهم في أسرع وقت واستقبالهم استقبالاً لائقاً.
واستطاع قطاع السياحة في ادخال ملايين الدولارات الى لبنان حتى شكل 19.2% من الناتج الإجمالي المحلي عام 1974 وقام بتشغيل الآلاف من الايدي العاملة اللبنانية.
وعززت الدولة اللبنانية القطاع المصرفي وحولت لبنان الى سوقاً ماليه دولية بعد ان الغت الرقابة على القطاع الأجنبي والتزم القطاع المصرفي بالسرية المصرفية والضرائب المتدنية مما ادى الى تشجيع رؤوس الأموال الأجنبية والعربية الى الدخول للاستثمار في الودائع المصرفية.
ان التطور الاقتصادي الذي حققه لبنان في مطلع سبعينات القرن الماضي لم يستفد منه جميع اللبنانيين بالتساوي، فأغلبية الشعب كانوا يحصلون على 15% من الدخل، مما انعكس على التفاوت الطبقي ووسع هوته التضخم الذي ارتفع 18% عام 1974 الى جانب ارتفاع المضاربات العقارية التي خلفته الأموال القادمة من الخليج والمغتربين. فهذا التطور لم يكن مدروساً في تلك المدة مما أدى الى نشوء الحرب الاهلية اللبنانية عام 1975.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
عمر سعد سلمان

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه