شاحنة الجنائز الليلية

علي السوداني

وقع الأمر قبل سنة وهذه الليلة الملتبسة حتى الآن .
شاحنة صندوقية سوداء تشبه سيارة نقل الموتى توقفت ببطء شديد أمام تلك الغرفة التي يطل بابها الصدىء على وحشة الشارع . سألت حسونة الأعرج عن سر هذه الغرفة التي نمت من تحت قدم البناية العتيقة مثل زرعة هجينة عاندت صفحة الإسفلت ، وأغلق بابها بلفة سلسلة حديدية ضخمة وقفل كبير . ضحك حسونة الأحدب وغادر المكان وكانت تلك واحدة من إجاباته المفتوحة مثل نص عشوائي لعين .
كان شباك غرفتي الصغير مثل رازونة بغدادية تطلُّ على كمال المنظر ، وكنت أكمن بزاوية تجعلني أرى ولا أُرى .
كانت الإشارات والعلامات كلها تشير إلى ما ذهبت إليه حدوسي وظنوني .
نزلت المرأة أولاً وهي من الصنف الذي يشبه نساء العراب كورليوني ، وتبعها سائق الشاحنة السمين وإثنان هبطا فجأة من بطن الصندوق المستطيل وشرعا فوراً بإنزال مجموعة من لفائف القماش وصناديق الكارتون ، وكان من اليسير عليَّ رؤية التفاصيل كاملة بسبب النور المركز الذي يشع من رأس عمود الكهرباء المزروع بباب الغرفة التي سماها حسونة بالمخزن المنسي .
يبدو أنني على ميعاد طيب مع سهرة هيتشكوكية مذهلة ، لذلك كرعت كأس العرق بشفطة واحدة ، ورميت سيجارتي أرضاً ودست عليها كما لو أنني أدوس فوق صرصار مسكين .
جسم السيارة أكل نصف المشهد لكنني سمعت بوضوح تلك الجلجلة المعتادة التي أصدرتها سلسلة الحديد ، ثم صرير إنفتاح الباب وغلقه بعد إتمام تنزيل البضاعة المريبة .
ثمة الآن حبل رفيع من الضوء الأصفر على شكل قوس ينبعث من الغريفة ويقف بمنتصف جسد السيارة كأنه حدبة أو نصف قبة حارسة لقبر صالحٍ بعيد .
بعد ساعة من مفتتح هذه اللوثة العسيرة ، بدأ الملل يتسرب إلى يقيني ، وثمة صوت داخلي يضحك عليَّ ويقترح رنة كأس أخيرة قبل الذهاب إلى السرير وترك هذه اللعبة السخيفة حتى تذهب إلى مثواها الذي لا ناقة لي فيه ولا خصية جمل ، لكن صوتاً آخر كان أشد وضوحاً وأعظم يقيناً أمرني بالبقاء راسخاً على صحو يشبه صحو جندي وحيد متروك بالأرض الحرام وقد نسي كلمة سر الليل وصمام أمان الخيمة التي تشخر في الجوار .
أزحت الكرسي قليلاً إلى الخلف وعمّرتُ كأساً سمينة ولفافة تبغ بلدي عاطر ، ومع كل ومضة ورعدة وأنين ريح ، أشيل جسدي الثقيل وأقف على نصف حيلي ، لكن قوس الضوء الأصفر الداخن ظل كما إنولد أول رؤية ، ولا أثر لصرير سلسال أو عطسة قفل بائد .
يا إلهي من أين آتي بحسونة الضحاك وأزرعه فوق كرسيّي الهرم كي يكمل مراقبة المشهد ويمنحني دقيقة لا تثنى لأفرغ مثانتي قبل أن تنفجر أو أن أبلل سروالي بدفء الفضيحة ؟!
مرت حتى اللحظة ساعتان وبعض واحدة ولم أسمع صوتاً آدمياً قد يعينني على فك هذا اللغز المتصل ، بإستثناء أنصاف وأرباع كلمات تناثرت عند نزول الأربعة من السيارة ، وها هو الثلج الباهت يتهاطل كثيفاً رائقاً ليصنع لحافاً دافئاً يغطي الشاحنة ويترك قوس الضوء الأصفر الداخن وحيداً وشاهداً على ليلة ماطرة راعدة وامضة ، فيها سيارة وأربعة كائنات ولفائف قماش معتق وكراتين مقمطة بلصواق الصنعة ، وحيرة درويش نام ولم يسمع صرير سلسلة أو صفقة باب أو نباح كلب خرج من ذروة النص وأفسد الحكاية .

قيم الموضوع
(0 أصوات)
علي السوداني

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه