الجانب المظلم من العولمة "الحلقة الأولى"

عمر سعد سلمان

ان زوال الرقابة على حركة رأس المال وانتقاله خلال الـ 50 سنة الأخيرة، يدفع الى عدم التزام المضاربين بأية قيود او رقابة وتحويل العالم الى نادي كوني. وفي النتيجة، فقد تحولت السياسة الاقتصادية للأمم الى متلق سلبي للقرارات التي يتخذها المضاربون. فالمضاربة بتغييرات الأسعار المستقبلية وتحديداً الخامات، لم تعد ترتبط كثيراً مع تشجيع او تسهيلات الصفقات التجارية، فعالم المال راح ينفصل تماماً عن عالم السلع. اما الأوراق النقدية والحكومات فقد أسندت السيادة على السياسة النقدية لأسواق راس المال الدولية، والذي يقرر اليوم أسعار صرف العملات، ليس السياسيين، انما مستشارو الاستثمار للصناديق والبنوك والشركات الصناعية. وفي السياق ذاته، فان ما نسبته 99% من التجارة بالعملات هو مضاربة خالصة على الفائدة المستقبلية وأسعار الصرف، بينما تظل نسبة 1% والتي تعكس حقيقة الضمان الواقعي للصفقات التجارية.

في عام 1992 ارتفعت سعر الفائدة في المانيا نتيجة الحاجة الى الأموال لإعادة بناء وتمويل عملية توحيد شطريها. بنفس الوقت، لم تكن بريطانيا ترغب في رفع سعر الفائدة، لان ذلك يمكن ان يدفع بالنشاط الاستثماري لرجال الاعمال الى التراجع، وبالتالي زيادة البطالة. وهكذا راحت العملات تتسرب من بريطانيا بسبب حرية انتقال الرأسمال، اذ يمكن للمستثمرين استغلال سعر الفائدة المرتفع في الخارج. أضافة الى ذلك، ارادت بريطانيا ان تحتفظ بسعر صرف مستقر لعملتها امام المارك الألماني. وفي سياق ذلك، كان يمكن لأسعار السلع المستوردة ان ترتفع، وبالتالي حدوث التضخم، لو انها قدمت على تخفيض سعر صرف الجنيه، من هنا، كان بإمكان بريطانيا اما الاحتفاظ بالعاطلين عن العمل عند المستوى ذاته، او التمسك بسعر صرف مستقر من خلال رفع الفائدة، ولان رفع سعر الفائدة كان مستبعداً فان سعر صرف الجنيه سوف يفقد الثقة به، وبناءاً على ذلك تمكن المئات من مدراء الصناديق وبالبنوك وبتأثير من الممول الأمريكي (جورج سوروس) من المضاربة على تخفيض سعر صرف الجنيه الإسترليني. ومع ان البنك المركزي البريطاني احتاج تقريباً الى اجمالي احتياطاته من الدولار والمارك لدعم عملته، الا انه لم يستطع إيقاف التدهور الحاصل في سعر صرف الجنيه.

فاستراتيجية المضاربين تعود ببساطة الى انهم كانوا يقترضون يومياً كمية متزايدة من الجنيه الإسترليني من اجل إعادة استبدالها لدى البنوك البريطانية مقابل المارك الألماني، فتعود البنوك التجارية البريطانية وتطالب البنك المركزي البريطاني بالمارك، لقد عرف المضاربون ان المركزي البريطاني كان يستنفذ احتياطاته من المارك الألماني تدريجياً، وخلال أيام قليلة فقد الجنيه 9% من قيمته وحقق المضاربون من جراء ذلك ارباحاً خيالية، ومبدئياً استطاعوا ان يسددوا اقتراضاتهم من الجنية الإسترليني وبتكلفة مناسبة، وبعد أيام قليلة حدثت العملية ذاتها في إيطاليا واسبانيا والسويد وتمت في منأى عن الرأي العام الذي يتعذر عليه ادراك الإجراءات المعقدة للسياسة النقدية.

لقد دفع مكلف الضريبة الأوروبي من جراء المضاربة المالية ما قيمته 100 مليار مارك، وذلك لان خسارة البنوك المركزية يجب ان تغطى من ميزانية تلك الحكومات، وقد كان على السياسيين المراقبة وبعجز كبير، كيف ان النظام النقدي المنجز من قبلهم وبدون مخاطرة من قبل المضاربين، يستخدم لإعادة توزيع مبالغ ضخمة تصل الى المليارات، عن طريق استجرارها من الميزانيات الحكومية لتوظف في الصناديق الاستثمارية وتحديداً في الدولار الأمريكي.

ولأن التوظيف الرأسمالي المضارب، على ما هو عليه اليوم، ممكن، مستمر ومريح، فان أرباح الشركات ليست الضمان الفعلي لخلق فرص العمل. فعندما تكون معدلات الربح المتوقعة من التوظيف المالي غير كافية، لن يقدم حينها أي مستثمر على مخاطر الاستثمار الحقيقي.

بيد ان المبادرات القانونية الوطنية او الأوروبية لتقييد حركة رأس المال كأنتقال أرباح الشركات الى الخارج، لم تتم حتى مناقشتها، رغم الخسائر الكبيرة التي منيت بها الاقتصادات الوطنية من خلال ذلك. وبالنظر الى سلطة رأسمال العالمية، وبالرغم من المخاطر الاجتماعية المتعاظمة وقعاً على العمالة، والمترافقة مع سوق الرأسمال الحرة، فان ردود أفعال القادة السياسيين في أوروبا تظل مجرد كلام. وقد وصف الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك المضاربون بـ (ايدز الاقتصاد العالمي) حيث يستغلون فقط إمكانيات الأسواق المالية غير المراقبة. مع ذلك، فالملاحظ لدى نخبة القيادة السياسية هو غياب إعادة التوجيه او حتى إعادة التفكير.

قيم الموضوع
(2 أصوات)
عمر سعد سلمان

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه