الجانب المظلم من العولمة / الحلقة الثالثة

عمر سعد سلمان

نشهد اليوم نتائج زحف القطار المعموم للسوق، فالصناعة المحلية تتعرض لضغط منافسة لم يسبق له مثيل، وتحت تأثير هذا التنافس المتفاقم حدة، يتوجب التوفير في التكلفة الصناعية، ويحدث هذا من خلال تقليص فرص العمل والاختصار المضطرد للمكتسبات الاجتماعية (المؤسسية والحكومية). فالدولة الاجتماعية تتعرض باستمرار للتعليم والتشذيب، والبطالة لم تسجل هنا على المستوى المحلي ارقاماً قياسية فقط، وعن المنافسة الدولية فان القادة السياسيون ورجال الاعمال يزعمون بأننا نستطيع دائماً تدبير شؤوننا، ونحن ننجز الأقل، في ظل مراعاة الاعتبارات البيئة.

وإذا كانت الخدمات الاجتماعية والعبء الضريبي مكلفة وثقيلة على الشركات في العالم، فيمكن ان يكون مجزياً لها، بدءاً من فرق تكلفة محدد، ان تنتج في الخارج. والرسوم البيئية تعد بالنسبة الى هذه الشركات مجرد مساوئ تكلفة في المنافسة الدولية بين الشركات الكبيرة داخل الدول، والتي يسمح لها بتلويث البيئة، رغم قليل المصداقية التي تسوقها في هذا الشأن: فالتجارة الحرة تؤدي الى رفع المستوى المادي لكل الدول، وبذلك يوجد الكثير من المال لتخفيض تكلفة التلوث البيئي، وهذا الزعم يعد نظرياً صحيحاً، لكن الواقع العملي يدفع به الى المغايرة والاختلاف. فمن جهة، لم يتم إنفاق المال على حماية البيئة، بل لماذا يتوجب ان يحدث ذلك، إذا كان هذا المال سيصب في بلد أخرى كأرباح للمساهمين. ومن جهة أخرى، ليس من النادر ان يتم تثقيل النمو الاقتصادي او تكبيده التلوث البيئي المتزايد.

ان الدمار البيئي يرفع من قدرة الوسائل لإصلاح ذلك الدمار بيد ان حماية البيئة والتجارة الحرة غير قابلين للاجتماع معاً، فكلما كان هناك تجارة حرة. كانت المنافسة أكثر حدة، وبالتالي طرق النقل أطول. فيصبح الضغط أكبر حيال التكلفة المنافسة. أي المزيد من انتاج الاضرار البيئية.

ان السباق من اجل تكاليف انتاج منخفضة لا يسبب تدهوراً بيئياً فقط، انما ايضاً نزع المزايا الاجتماعية ليس في كل مكان من العالم، انما في أوروبا ايضاً فالمستثمرون على الطريقة البريطانية التي تقدم نموذجاً مثالياً على امتداد أوروبا، حين يتعلق الامر بتقليص الخدمات الاجتماعية، وهذا ما يجعل بريطانيا أكثر اغراءاً وجذباً للمستثمرين، بالمقارنة الأوروبية، وبينما يشتكي رجال الاعمال في ألمانيا من ارتفاع تكلفة الخدمات الاجتماعية، والأجور المرتفعة، ينمو الاستثمار في بريطانيا بقوة. ووصلت الاستثمارات الامريكية واليابانية العاملة في بريطانيا الى 40% من مجموع استثمارتهما.

وكنتيجة لهذ المعجزة البريطانية بدأ الناس يقرؤون يومياً في الصحف، ان ألمانيا يجب ان تقلص من الضمان الاجتماعي للعاملين، وتحد من ارتفاع الأجور، وذلك لكي تصبح أكثر جذباً للمستثمرين. ان تنافس المراكز يقود الى انحدار وتدهور اجتماعي مستمر: فاذا ما تحركت المانيا دون المستوى البريطاني، لتوجب على البريطانيين تخفيض الخدمات الاجتماعية والأجور المنخفضة هي بكل الأحوال، والتوجه على غرار المثال البرازيلي الأكثر انخفاضاً. والمحصلة هنا هي معركة لا نهاية لها ضد الدولة الاجتماعية، والتي لا تعود بالنفع سواء للعامل او للمستهلك، انما لرجال الاعمال الذين يمكنهم الإنتاج بمرونة وبتكاليف مناسبة.

انما المنافسة الدولية التي تستعير نارها من اجل الاستغلال الأفضل لرأس المال، والموقع الأنسب للاستثمار. اذ يكتسب هنا السؤال المطروح على منظري المنافسة والسوق، احقيته في البحث عن وعودهم بمكتسبات الرفاه للجميع. ومع ان الرسوم الجمركية والعوائق الأخرى قد تمت ازالتها امام السلع والرأسمال، في السنوات الخمسين الأخيرة بقرارات سياسية وبشكل متواصل، الا ان رجال الاعمال والسياسين لا يزالون شديدي التمسك بدعوى انهم يضطرون، عبر المنافسة والسوق، الى اتخاذ إجراءات تقشف حادة في المجال الاجتماعي والأجور المنخفضة.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
عمر سعد سلمان

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه