"فيك الخصام وأنت الخصم والحكم"

"فيك الخصام وأنت الخصم والحكم"


الذكاء الاصطناعي سهّل على المحتالين ممارسة احتيالهم، ولكن مثلما سهل الاحتيال، سهل الإيقاع بالمحتالين.

تحيل وابتزاز
لمعرفة الحجم الذي وصلت إليه ظاهرة الاحتيال على محركات البحث ومنصات الدردشة والمحادثة ووسائل التواصل الاجتماعي، يكفي أن نعرف أن غوغل حظرت خلال العام الماضي وحده 5.5 مليار إعلان، حاول ناشروها الاحتيال على المستخدمين بطريقة أو أخرى.

أشهر سبل الاحتيال وأكثرها انتشارا هي ابتزاز المرضى بالإعلان عن معجزات طبية تشفي من جميع الأمراض وتمنع ترهل البشرة وتحمي الشعر من أن يغزوه البياض.. ببساطة شديدة، هي علاجات تعيد الشيخ إلى صباه وتفعل ما عجز عمالقة شركات الأدوية عن فعله خلال عشرات السنين وأنفقوا عليه الثروات.

ما من مرض إلّا ولدى محتالي الشبكة العنكبوتية علاج له، أدوية تجدد الشباب وتقوي الركب وتنشط الذاكرة وتفتح الشهية وتخفي كتل الشحوم التي تراكمت عبر السنين، ولم ينفع لإزالتها التدخل الجراحي.. يكفي أن نتناولها بضعة أيام، لكي لا نقول بضع ساعات.

حتى السرطان الذي ظلّ إلى يومنا هذا لغزا يحير الباحثين والعلماء، ولم تنفع معه جلسات العلاج الكيماوي والاستئصال، لدى هؤلاء المحتالين الظرفاء علاجا له.

ولكن، قبل أن نقع في شراكهم ونرسل لهم بشيك أو نحول لهم النقود، علينا أن نسأل أنفسنا سؤالا بسيطا للغاية: لماذا لا يسوّق هؤلاء معجزاتهم الطبية عن طريق الصيدليات، وينعشون اقتصاد البلاد ويجنوا الثروات.

يستفيد المحتالون في صنعتهم من البيانات التي يجمعها أصحاب منصات المحادثة والتواصل الاجتماعيين ومحركات البحث، وانضمت مؤخرا أنظمة الدردشة الذكية وجحافل مساعدين أذكياء، في اختيارهم الضحية التي سيمطرونها بوابل من وعود لن تتحقق.

يكفي أن تبحث عن طريق بيينغ أو غوغل أو يوتيوب وغيرها من الوسائل عن معلومات حول تضخم البروستاتا، الذي يصيب معظم الرجال بعد سن الخمسين ويهدد بالتحول إلى أورام خبيثة، لتتراقص أمام عينك إعلانات يتحدث ناشروها عن أدوية خارقة تختفي بعد استخدامها متاعبك إلى الأبد.

وكما سهل الذكاء الاصطناعي عملية تصنيف البيانات وتحليلها، ليصبح بالإمكان تصيد الضحايا واختيارهم من بين كومة القش، سهل أيضا عملية المراقبة والتربص للإيقاع بهؤلاء المحتالين الذين تتزايد أعدادهم يوميا.

حتى وقت قريب كنا نفتش عنهم عن طريق الأصدقاء والمعارف، ونذهب إليهم طوعا في أسواق العطارين والأعشاب بحثا عن معجزات طبية وأدوية شافية من كل الأمراض التي عجزت عن التوصل إليها مخابر فايزر الأميركية وروش السويسرية وسانوفي الفرنسية.. وعشرات غيرها، رغم أنها توظف مئات الآلاف من العاملين في مخابرها، وتستثمر أموالا تفوق ميزانيات دول بحالها.

منذ اليوم الأول لظهورها أثارت مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الدردشة والذكاء الصناعي التوليدي الجدل، لينقسم الناس حولها؛ فريق يرى فيها شرا مستطيرا، وفريق آخر يرى فيها الخير كل الخير. والغريب أن طرفي الخصام على صواب.

وينطبق على الذكاء الاصطناعي ما انطبق يوما على أبي فراس الحمداني، الذي اشتكى من معاملته الشاعر أبوالطيب المتنبي وعاتبه بأبيات شعرية جرت مجرى الأمثال:

يا أَعدَلَ الناسِ إِلّا في مُعامَلَتي/ فيكَ الخِصامُ وَأَنتَ الخَصمُ وَالحَكَمُ

أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةً/ أَن تَحسَبَ الشَحمَ فيمَن شَحمُهُ وَرَمُ

أعلم أن الذكاء الاصطناعي سهل على المحتالين ممارسة احتيالهم، وأعلم أيضا أنه مثلما سهل الاحتيال، سهل الإيقاع بالمحتالين..

هو الخصم وهو الحكم في آن واحد.

علي قاسم

كاتب سوري مقيم في تونس

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه