الصناعة في عصر العولمة

عمر سعد سلمان

يهدف اقتصاد السوق عبر المنافسة، الوصول الى أسعار منخفضة ومنتجات عالية الجودة، بما يجب ان يتفق مع مصلحة المستهلك بالدرجة الأولى. غير ان الشركات وحين تتعرض لضغط المنافسة، تصبح مرغمة على ان تنتج بأقل ما يمكن من المواد الخام والآلات وكلفة الأجور. وهي مضطرة للتوجه وفق رغبات المستهلكين كي تستطيع بيع منتجاتها. وقد أصبحت مزايا المنافسة هذه أكثر وضوحاً بالمقارنة مع الاقتصاد المخطط لدول المعسكر الشرقي. في الوقت الذي راحت فيه (الخصخصة) منذ منتصف سبعينات القرن الماضي تتبع في الدول الغربية في إطار المصانع الحكومية، لتنتقل بعد ذلك الى المستوى العالمي بخطا متسارعة. وذلك لان الشركات الحكومية لا تستطيع ان تستغل قوى السوق لتعظيم أرباحها وبالتالي تبدو غير فعالة. ومع هذا الزعم فان الخصخصة في الحقيقة ليست في مصلحة المستهلك على الدوام.

ان الطاقات الإنتاجية للدول محدودة، لذلك تم وضع قانون (مزايا التكلفة المقارنة) على أساس ان التجارة الحرة تجلب الفوائد لجميع الدول وفي كل الأحوال. ولكن ليس اكيداً، فيما إذا كانت غالبية السكان، ستستفيد من هذه المزايا، او ان القسم الأكبر من السكان سيحصل عبر التجارة، كما هو الحال لبعض الدول النامية التي تزرع القهوة للتصدير بدلاً من زراعة المواد الغذائية لشعوبها.

وعندما تركز كل دولة على انتاج السلع التي تملك فيها (مزايا التكلفة المقارنة) يصبح رفع الإنتاج السلعي العالمي ممكنناً، بالرغم من بقاء الطاقات الإنتاجية نفسها، فيستبدل البلد تلك السلع التي تخلى عن انتاجها، وهكذا تصبح السلع متاحة أكثر من قبل، نظراً للتخصص والتبادل السلعي الدولي. ونظرياً ينتج عن ذلك تقسيم دولي للعمل، من خلال انتاج كل دولة لتلك السلع التي يمكنها انتاجها بأقصى فعالية ممكنة، وذلك يؤدي الى فوائد لجميع الأمم. فمن خلال التقسيم الدولي للعمل يمكن لمنتجات كثيرة ان تنتج بتكلفة اقل، الامر الذي يتيح للمشترين في النهاية، الوصول الى هذه المنتجات بصورة أفضل.

من هنا تعد نظرية (مزايا التكلفة المقارنة) البرهان الحاسم، إذا كانت المسألة تتعلق بتعليل التجارة الحرة، والتجارة الحرة هنا تفيد حتى تلك الدولة التي تلك مساوئ التكلفة المطلقة بإنتاج جميع السلع.

ان القسم الأكبر من التجارة العالمية تشكلها السلع الصناعية، لا الطبيعية، فتجهيز البنية الإنتاجية (المعرفة، وعناصر إنتاجية أخرى) واختلافها من بلد لآخر، يبرر التجارة بالسلع الصناعية بين الدول المختلفة في استعداداتها الإنتاجية. بيد ان تماثل ظروف انتاج السلع الصناعية في كل مكان على المستوى العالمي، يحيل التمايز والاختلاف بين المراكز المصنعة الى مسألة هامشية. وتظل الفعالية الإنتاجية المرتفعة داخل الدولة من جراء عنصر المنافسة وتقسيم العمل، مبرراً لتخفيض تكلفة المنتجات، فالمطالبة الدائمة بالاجور المنخفضة والضرائب الاجتماعية الأقل، تكتسب مشروعيتها هنا، من ضرورة البقاء بفعالية ضمن سباق المنافسة الدولية.

مقابل المزايا النظرية للتجارة الحرة، يقف الواقع العملي للاقتصادات القومية مختلفاً ومغايراً. فقد سبق لبريطانيا ان تخصصت والتزمت بإنتاج القماش منذ منتصف القرن الثامن عشر. وقد ربحت الكثير من جراء الثورة الصناعية، بينما لم يكن هناك حاجة لآلات انتاج النبيذ لديها، في الوقت الذي لم تكثف البرتغال جهودها لدفع التجديد والابتكار التقني، ففي الوقت الذي تحولت فيه بريطانيا الى دولة صناعية، كانت البرتغال تقع في فخ التخصص. ويمكن للمرء ان يتلمس النتائج المترتبة على مزايا التكلفة المقارنة والمطلقة في الدول النامية. فاذا كانت هذه البلدان تملك اليد العاملة الرخيصة مقابل الدول الصناعية، فلماذا يتوجب عليها التزام سياسة اقتصادية تشجع التطور التقني؟ اذ ينبغي عليها تبني سياسة مستقلة ومقاومة لضغط التخصص، الذي يدفعها الى التخلف عن الدول الصناعية. والدول الصناعية تعي هذه المسألة جيداً. فالتخصص في سلع التصدير يدر ارباحاً على المدى القصير لكنه يرافقه عواقب خطيرة على المدى الطويل.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
عمر سعد سلمان

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه