سقوط الغرب.. ذلك الوهم المزمن

بقلم حميد زناز نيسان/أبريل 02, 2024 47

سقوط الغرب.. ذلك الوهم المزمن


كل المؤشرات تثبت أن مستوى المعيشة والحرية في الغرب هو الأحسن في العالم وتجذّر الحريات هو ما ينتج الغليان الفكري الذي يجد فيه الغرب نقدا ذاتيا مستمرا يشكل أرضية صلبة لقوته.

أفول الحضارة الغربية.. حقيقة أم مجرد تمنيات
يرى الكثير من المثقفين الأوروبيين والأميركيين والإسلاميين أن انهيار الغرب وسقوطه حتمية تاريخية باتت وشيكة. وهي في الحقيقة أطروحة شائعة منذ قرن ابتدعها المفكر الألماني أوسفالد شبينغلر (1880 – 1936) في كتاب تحت عنوان “انحدار الغرب” صدر سنة 1918. وترجم الكتاب إلى العربية وظهر في جزأين يحمل عنوانا نشتم فيه رائحة حقد الإخوان والقوميين واليساريين: “تدهور الحضارة الغربية”.

ولكن ما محتوى هذا الكتاب الذي لا يزال يلهم أعداء الحضارة الغربية؟ كان مؤلفه من المنبهرين بفاشية موسيليني. ولئن رفض الانضمام إلى حزب النازيين الألمان فقد ساهم في صعود الهتلرية عن طريق انتقاده القاسي والمتواصل للديمقراطية البرلمانية. أصبح الكتاب مع مرور السنوات أحد أناجيل اليمين المتطرف وكل الذين يؤمنون باحتضار الغرب ونهايته. وانتشرت المقولة كثيرا بعد مجزرة الحرب العالمية الأولى ومآسيها إذ نظر إليها منتظرو “سقوط الغرب” على أنها بداية تهديم الغرب لذاته. ولم تكن مرت على نهاية تلك الحرب سوى سنتان حتى نشر الشاعر والمفكر الفرنسي بول فاليري كتابه “أزمة العقل” والذي تحدث فيه هو أيضا عن احتضار الحضارة الأوروبية وتنبأ بأفولها القريب وكان ذلك سنة 1919 حيث كتب: “نحن، الحضارات، نعرف الآن أننا فانون”. وهي مقولة كثيرا ما يجترّها أعداء الغرب والحداثة بشكل عام.

◙ بحثا عن التطور تقلّد كل البلدان وبشكل دائم ومنهجي هذا "الغرب الذي ينتظر البعض سقوطه"، ويتعدى التقليد أو السرقة المجال التقني ويصل حتى إلى طرق وأشكال التنظيم القانونية والإدارية والتعليمية

وفي الحقيقة صدرت عشرات المؤلفات في انحسار الغرب طيلة المئة عام الماضية آخرها كتاب الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري: “من يسوع إلى بن لادن، حياة الغرب وموته” والذي يزعم فيه أن كل الحضارات ذائقة الموت وأن انهيار الحضارة الغربية أمر لا مرد له.

وعودة إلى أرض الواقع، فهل التمادي في الحديث عن انحدار وسقوط وأفول وتدهور الغرب وحضارته أمر مبرّر أم هو مجرد تمنيات؟

الغرب هو اليوم كيان جغرافي، اقتصادي وعسكري يجمع كلاّ من أوروبا الغربية والوسطى، أستراليا، وجزءا كبيرا من الأميركيتين، نيوزيلندا، إسرائيل واليابان.

لقد قيل في الماضي القريب كلام كثير عن خطر اليابان والنمور الآسيوية على الاقتصاد الغربي واليوم جاء دور الصين لتعيد تمثيل ذلك الخطر ولئن كان اقتصادها قد التحق نوعا ما بمستوى اقتصاد الغرب، فسيجد صعوبة في الاستمرار في التطور والتنوع بسبب النظام السياسي الشمولي الذي يفضل الأشغال الكبرى المتعلقة بالبنيات التحتية والصناعية بدل الابتكارات. ومن الطبيعي أن يستعيد بلد يضم 22 في المئة من سكان العالم مكانا له ضمن الاقتصاد العالمي. وهذا لا يمكن أن يسبّب أيّ ضرر للاقتصاد الغربي بل العكس إذ هو يفتح أمامه أسواقا متنوعة كبيرة.

أما الهند، فهي بلد مكبل إثنيا، دينيا، اجتماعيا وبيروقراطيا، لا يزال يعاني من مشاكل جمة على كل الأصعدة. ستكون الهند زبونا مهما وقوة اقتصادية ولكنها لا يمكن أن تضاهي الصين. وإن ظهرت علامات مشجعة على اقتصاد بعض البلدان الأفريقية، فيبقى اقتصاد أفريقيا ضعيفا جدا مقارنة بالاقتصاد الغربي خاصة وأنه في طريق مجابهة انفجار سكاني رهيب.

في المجال العسكري نجد أن ميزانية الولايات المتحدة الأميركية وحدها تفوق أربع مرات ميزانية الصين وعشر مرات ميزانية روسيا. وعموما يبقى الغرب أكثر إبداعا وأكثر جاذبية اقتصادية للاستثمار وللسياحة.

كل المؤشرات والدراسات تثبت أن مستوى المعيشة والحرية في الغرب هو الأحسن في العالم. تجذّر الحريات الفردية والدينية والسياسية هو الذي ينتج ذلك الغليان الفكري الذي لا يهدأ والذي يجد فيه الغرب نقدا ذاتيا مستمرا يشكل أرضية صلبة لقوته. وقد كان ذلك نتيجة لخلطة فريدة معقدة مكونة من فلسفة وأساطير اليونان القديمة، قانون الإمبراطورية الرومانية، المسيحية، البروتستانتية، النهضة، حركة الأنوار.. وكل هذا أدى إلى ظهور الديمقراطية الليبرالية التي تمكن الأفراد من عيش حياة حرة لم تعرفها البشرية قط.

◙ الغرب هو اليوم كيان جغرافي، اقتصادي وعسكري يجمع كلاّ من أوروبا الغربية والوسطى، أستراليا، وجزءا كبيرا من الأميركيتين، نيوزيلندا، إسرائيل واليابان

ومن المؤكد أن نسبة السكان الغربيين آخذة في التناقص. ولكن هذا هو الحال أيضا بالنسبة إلى الصين وروسيا. وسيكون ذلك مصير الهند في السنوات القادمة، لذلك فلم تحل آسيا محل الغرب ديمغرافيا بل أفريقيا هي التي ستزعزع كلا منهما ولكن تبقى أفريقيا بعيدة عن أن تكون منافسا اقتصاديا أو عسكريا أو ثقافيا للغرب إلا أن الهجرة منها نحو الغرب قد تمثل خطرا كما قد تمثل حلا.

وعلى عكس ادعاءات “السقوطيين”، يتم استعمال اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية في جزء كبير جدًا من العالم وهذا ما ينشر الغرب وقيمه، بينما تظل اللغة الصينية والهندية، على الرغم من العدد الكبير من المتحدثين بها، لغات إقليمية. ومن هنا فالغرب ليس جغرافيا فقط وإنما حضارة، فكرة موجودة في كل بقعة من هذا العالم. يتجسّد الغرب أيضا في رفض النساء الباكستانيات لجرائم الشرف ورفض الأفغانيات والإيرانيات لجنون طالبان والملالي والحلم بالحرية والتناوب على الحكم واحترام حقوق الإنسان لدى كل شباب العالم.

وبحثا عن التطور تقلّد كل البلدان وبشكل دائم ومنهجي هذا “الغرب الذي ينتظر البعض سقوطه”، ويتعدى التقليد أو السرقة المجال التقني ويصل حتى إلى طرق وأشكال التنظيم القانونية والإدارية والتعليمية. فمن ذا الذي يقلّد كيانا آيلا إلى السقوط؟ بكلمة واحدة، هل من المعقول الحديث عن “سقوط الغرب” في حين أن العالم هو الذي يتغربن؟ هل يوجد على هذه الأرض شعب يتمنى العيش تحت حكم فلاديمير بوتين أو شي جينبينغ أو كيم جونغ أون؟

حميد زناز
كاتب جزائري مقيم في فرنسا

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه