عن شهداء العراق: في زمن مسز جي كلاس ومستر رولكس تبدلت قوانين الأحلام؟

أستاذ الفكر السياسي
الدكتور: أنمار نزار الدروبي

أسوء الكوارث ما تنتجها أخطاء البشر، سواء في صناعتها بجهالة أو بالغباء في التمادي واهمال معالجة الأسباب التي تؤدي إليها. ما نحتاجه ليس صدمة تعيد لنا الوعي، فقد توالت علينا الصدمات ولم نصحو من مرقدنا، كما كان يستنجد حفار القبور في شعر (بدر شاكر السياب) بالحروب والأوبئة لكي يكسب عيشه ويصرع الجوع. وبعد أن دمعت العيون وتقطعت القلوب ألما على شهداء البصرة، ندعو ونسأل الله العظيم سبحانه وتعالى الرحمة والمغفرة لشهداء البصرة التلاميذ الأحباب المفقودين وأن يسكنهم فسيح جناته.
إذن تتوالى المصائب على العراقيين، نحن أصبحنا كقطعان مستنفرة في هضاب تنقض الذئاب على أطرافها، وإينما تولوا وجوهكم أيها العراقيون هناك خراب وموت وهجرة. ربما لأن الصراع والتعب والظلم مكتوب علينا بمنطق جدل الحياة والديمومة. وكما ذكرت في المقدمة توالت علينا الصدمات ولن نصحو من مرقدنا، والحوادث ما هي إلا حالة ولادة للمعالم أو الظواهر الجديدة. أما الأسباب فهي النواميس التي تحكم الوجود الطبيعي والحياة بما فيها الحالة الاجتماعية. ويكمن أهم قصور العقل البشري في إدراك ذاته أولا ثم فهم القوانين التي تفوق إمكانية التحايل عليها. أما التاريخ فليس له شأن أكثر من تدوين الوقائع ليترك لنا بصمات آثار العظماء في الدين والسياسة وكذلك (مسز جي كلاس ومستر رولكس) فهما يعدان في عصرنا هذا من العظماء أيضا.
هنا يقف الإنسان العراقي على حافة وجوده لينظر إلى مستقبله، فيترك ما يعجز عن استيعابه ليسجل في صفحته الحضارية بطريقة شاذة عن المألوف الذي اتخمته بالأساطير أمثال (مسز جي كلاس ومستر رولكس). عليه يجب أن نعترف كعراقيين أنه في زمن (مسز جي كلاس ومستر رولكس) تبدلت قوانين الأحلام، أما المنطق والمبدأ والمقدس وغيرهما كل فقد معيار وزنه، فلم تعد حياتنا أكثر من عامل كيل سياسي لا يختلف عن الصاع الذي دسه يوسف النبي في رحل أخيه ليبرر احتجازه. أما قصة الخداع فهي لم ولن تنتهي عند (مسز جي كلاس ومستر رولكس) لنعبر فيما بعد إلى ما هو أكبر وأقوى.
ثم تستمر الرحلة الخاصة بالعراقيين (رحلة الضياع والموت) ضمن سلسة تاريخية تفصلها قوانين ونواميس العهد الجديد، وهو عهد (مسز جي كلاس ومستر رولكس) بطريقة كهنوتية تعجن دماء الكثير من العراقيين. هكذا تنطلي علينا الأوهام وتبلغ قلوبنا الحناجر ونحن نعايش أحداثا تتحكم في أذهاننا ومشاعرنا، رغم أن الجدار الفاصل بين حقائقها وبين عقولنا أكثر صلابة من الأسمنت. وبما أن ظاهرة (مسز جي كلاس ومستر رولكس) قد تفشت بين أوساط المجتمع العراقي، إذن لا بد من يحلل هذه الظاهرة ويكشف مسبباتها قبل أن تترسخ وتفرض نفسها كتيار أو حتى دين جديد، نعم دين جديد يناهض كل قيمنا الأخلاقية ومعتقداتنا ويدمر إيماننا.
إن الأيام دول، ورياح الجي كلاس والرولكس في حركة مستمرة، فإن هبت اليوم على خلاف ما تريده صاحبة الشراع أو ما يريده صاحب الشراع، فعليهما أن يحسنوا التجديف حتى لا تتهاوى أو يتهاوى في أعماق البحر المظلمة، فربما غدا تهب على هواهم عندها سيفرحان بما أتاهم. ونحن العراقيون علينا أن نتعلم من صاحبة الشراع وصاحب الشراع، ربما تصيبنا يوما رياح الجي كلاس والرولكس. في السياق ذاته فإن غالبية المهتمين بفلسفة (مسز جي كلاس ومستر رولكس) يؤكدون على أن جذور هذه الفكرة هي الأساس في جعل السياسي أن يصبح الحاكم بأمره، ويكون الولاء له مطلقا.
وقد يتهمني الكثير بعدم حب الخير للغير أو بالحسد، ويكفي لفهم محدودية فكري البسيط بالنظر إلى القناعة الباطنة التي وصلت لها، وهي إيماني المطلق بأنه يحق لكل أحد أن يختار لنفسه ما يريد من دين وسلوك وفكر وقول وفعل. لكن هذا لا يعني أن فكري البسيط يتوافق مع نوازع النفس وهواها الشاذة عن السلوك والأخلاق والقيم والمبادئ والمثل العليا. بمعنى لا فرق بين البواطن والظواهر، بل هو فكر يعتني بالبواطن وبالظواهر وتصحيحها.
وفقا لما تقدم، سيستمر الصراع في الحياة بين الحق من جهة وبين الجي كلاس ومستر رولكس من جهة ثانية، مع العرض أن الجي كلاس ومستر رولكس أقوى من الحق، وهما أقوى في ديمومتهما واستقرارهما في حياتنا، ولا بد للجي كلاس والرولكس أن ينتصران أخيرا وأن يقصيان الحق ولو بالظلم. فإذا اجتمع الظلم في العقل والقلب مع هوى النفس غلب كل من الجي كلاس والرولكس وانتصرا على الحق بشكل حتمي.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
انمار نزار الدروبي

كاتب وباحث سياسي عراقي مقيم في بروكسل

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه