العلامة السيد محمد علي الحسيني

إن الإسلام ليس دين رهبنة، بل هو منهج حياة، فكما اهتم بالجانب العبادي فقد أولى جانب الاستمتاع بطيبات الحياة أهمية كبيرة، تجلت بعض مظاهرها في تشريع عيدي الفطر والأضحى.أما عيد الفطر، فيأتي في الأول من شوال بعد صيام شهر رمضان المبارك والاجتهاد فيه بفعل الخيرات وإحياء لياليه بالصلاة والدعاء، والإمساك في نهاره عن المفطرات. وأما عيد الأضحى المبارك، وهو في العاشر من ذي الحجة، والذي يعقب أيضا مجموعة من المناسك والشعائر التي يقوم بها حجاج بيت الله الحرام، أو ما يقوم به غير الحجاج من مستحبات في هذه الأيام الفضيلة... يأتي عيد الأضحى ليروح عن النفوس ويريحها، ويرسخ معاني الوحدة وأواصر المحبة، ويؤكد على إدخال البهجة والسرور في قلوب المؤمنين عامة وفقراء الأمة ومساكينها خاصة.
ولا شك أن في هذين العيدين خيرا كثيرا، كما جاء عن أنس بن مالك قال: 'قدم النبي (صلى الله عليه وآله وصحبه الأخيار) المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرا منهما؛ يوم الفطر والأضحى.

أعمال ومستحبات العيد

عندما شرع الإسلام عيدي الفطر والأضحى، فقد جعل لهما أعمالا ومستحبات، أهمها الاغتسال قبل الخروج إلى الصلاة، وأكل بضع تمرات، فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وصحبه الأخيار) لا يغدو يوم الفطر وهو عيد الصائم حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا، وذلك من باب سد ذريعة الزيادة في الصيام، وامتثالا لأمر الله تعالى.أما في عيد الأضحى، وهو عيد الحاج، فيستحب أن يفطر على ذبيحته بعد الصلاة، وإن لم يكن له، فلا ضير أن يأكل قبل الخروج إلى الصلاة. ومن أعمال العيد التسبيح والتهليل والدعاء والتكبير؛ قال تعالى: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون}.
ومن آداب العيد تبادل المعايدة بين الناس، لما لها من أثر طيب على قلوبهم، وعن جبير بن نفير، قال: كان أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم) إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل منا ومنك.
وكذا يستحب التزين عند التوجه إلى المسجد لأداء صلاة العيد؛ قال تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد}. ويعتبر أداء صلاة العيد أكبر تظاهرة تجمع المسلمين وتوحد قلوبهم على الرحمة والمودة والمحبة، ليقيموا جميعا هذه الشعيرة ويشهدوا هذه المنافع التي شرعها الله لهم، ويشكروا لله عليها.

الحكمة من تشريع العيد

من رحمة الله بعباده أنه جعل بعد كل عمل جزاء، فالله يشكر عباده - أي يجازيهم - الذين يعبدونه آناء الليل وأطراف النهار؛ فخصص لهم مكافأة في الدنيا والآخرة، وسماه رسول الله (صلى الله عليه وآله وصحبه الأخيار) بيوم الجوائز، عندما قال لجابر الأنصاري: 'إذا كان أول يوم من شوال نادى مناد: أيها المؤمنون، اغدوا إلى جوائزكم، ثم قال: يا جابر، جوائز الله ليست بجوائز هؤلاء الملوك، ثم قال: هو يوم الجوائز'.
وقال الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) 'خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوم الفطر فقال: أيها الناس! إن يومكم هذا يوم يثاب فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، وهو أشبه بيوم قيامكم، فاذكروا بخروجكم من منازلكم إلى مصلاكم خروجكم من الأجداث إلى ربكم، واذكروا بوقوفكم في مصلاكم وقوفكم بين يدي ربكم، واذكروا برجوعكم إلى منازلكم رجوعكم إلى منازلكم في الجنة. عباد الله! إن أدنى ما للصائمين والصائمات أن يناديهم ملك في آخر يوم من شهر رمضان: أبشروا عباد الله، فقد غفر لكم ما سلف من ذنوبكم، فانظروا كيف تكونون فيما تستأنفون'.

تشريع العيد ومقاصده

تظهر جليا الغاية من تشريع عيدي الفطر والأضحى، أن يعم الفرح والسرور في قلوب المسلمين. كما أنه مناسبة لنشر قيم التسامح، وتصفية النفوس من مشاعر الكراهية والبغضاء، والشفاء من الأحقاد، بل هو فرصة لتوثيق أواصر المحبة بين الناس، وتمتين الروابط والعلاقات الاجتماعية وصلة الأرحام، وإكرام الضيف، والسؤال عن الجار، والتصدق على الفقراء والمحتاجين، لتكتمل الفرحة فلا تكون ناقصة ومقتصرة على الأسر الميسورة، بل فضل الله في أن ترتسم الابتسامة على وجوه كل الناس، صغيرها وكبيرها، نسائها ورجالها، وتحقيق وحدة صف المسلمين، فهو يوم فرحتين: فرحة الصائم الذي وفقه الله تعالى لصيام شهر رمضان، وفرحة الثواب عليه، كما أكد الحديث الصحيح عن النبى (صلى الله عليه وصحبه الأخيار) قال:'للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه'. فالشكر لله على جزيل منه وعطائه، وتوفيقه لعباده وإعانتهم على القيام بالعبادات على أكمل وجه: {نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر}.

خلاصة فقه العيد: أن يوم العيد ليس كسائر الأيام، بل هو يوم متميز من جميع الجهات والأبعاد، وقد أوضح أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ذلك بقوله: 'إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه، وشكر قيامه، وكل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد'. لذلك يجب أن يكون يوم العيد انطلاقة جديدة في حياتنا.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
العلامة محمد الحسيني

العلامة محمد الحسيني الأمين العام الحالي للمجلس الإسلامي العربي في لبنان وهو باحث ومحاضر إسلامي / سياسي لديه أكثر من سبعين كتاباً ويتميز بمواقفه الفكرية والسياسية الوحدوية الرافضة لمنطق الفتنة ودعاتها. لبناني الجنسية

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه