نشوء التجارة الحرة العالمية

عمر سعد سلمان

يعد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر الأنصار الأكثر حماساً لأيدولوجية: إعادة الهيكلة، والتجارة الحرة. حيث بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا ترسمان سياستهما الاقتصادية في ثمانيات القرن الماضي، استناداً للنظرية النقدية لـ (ملتون فريدمان) هذا الذي يبغض الدولة الاجتماعية. فقد تم تقليص الخدمات الاجتماعية وسحب الضرائب التي فرضت لحماية البيئة، وكانت النتيجة المترتبة على هذا، ظهور حدة التمايزات الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء، وفي أكثر صورها وضوحاً.
وان استطاع الرئيس الأمريكي الأسبق (بيل كلينتون) ان يخفف هذه التطورات في الولايات المتحدة قليلاً، لكن ليس لدرجة العودة عنها نهائياً، فقد كان من الصعب جداً إعادة لجم القوى الليبرالية الجديدة والنقدية بعد ان أطلق العنان لها، وبناء البنى اللازمة لممارسة نشاطها، اذ يشترط زوالها (القوى) نسف البنى التي صيغت لأجلها. وهكذا كان من العسير جداً تنفيذ اية إصلاحات اجتماعية سياسية ضد رئيس البنك الفدرالي الأمريكي (آلان كرينسبان) الذي كان يحرس استقرار سعر صرف الدولار جيداً. وخلافاً لوعود كلينتون الانتخابية فقد استمرت حالة الادخار على حساب الفئات الأكثر فقراً: حيث تم تقليص شرعية مرتبات المساعدة الاجتماعية الى 5 سنوات فقط، وربط الحصول على هذه المساعدة بالعمل في الخدمات العامة (تنظيف الشوارع مثلاً).
وقد راحت النظرية النقدية مع عناصر أخرى (ليبرالية) تحقق الانتصارات، ليس في الولايات المتحدة وبريطانيا فقط، بل في المانيا ايضاً، فالدولة تراجعت بشكل مستمر فقد تم خصخصة العديد من الشركات الحكومية والتي رافقتها عواقب وخيمة، حيث استغنت هذه الشركات على مئات الآلاف من الوظائف كي تستطيع المنافسة دولياً باعتبارها شركة خاصة.
لقد قدم انهيار الأنظمة الاقتصادية الاشتراكية، دفعاً قوياً لآيديولوجية التجارة الحرة وللمنافسة الاقتصادية الكونية المتزايدة، حيث انتصرت السوق ومعها أفكار المنافسة لكن الخيارات الأخرى للإصلاح الاقتصادي يتم تنحيتها، فاليوم لم يعد على أنظمة اقتصاد السوق ان تقدم البراهين، على انها يمكن ان تكون اجتماعية كالانظمة الاشتراكية. وعكس ذلك، لقد أعلنت السوق كعلاج وايديولوجية بديلة، وليس فقط للدول الاشتراكية السابقة. اذ لا تنتهي منافسة السوق عند السور الحديدي، انما ترزح اليوم كل أوروبا الشرقية تحت العواقب غير الاجتماعية لرأسمالية مطلقة. والدول الاشتراكية السابقة التي تعاني من الإفلاس المالي، لم تعد تملك النقد، لتستطيع مساعدة شعوبها لإزالة العواقب المترتبة على هذه السياسية (البطالة، الفقر...)
تبني آيديولوجية التجارة الحرة فلسفتها، على ان الرفاه المادي لاقتصاد السوق، يرتبط بالمنافسة الدولية المتعاظمة. ولكي يتحقق ذلك، يجب إزالة جميع القيود الجمركية، والتجارية بين الأمم. وفي سياق كهذا، يمكن فهم قيام وتأسيس الكتل الاقتصادية الهادفة لإزالة القيود الجمركية، فمن خلال GATT الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة، تمت إزالة الحواجز الجمركية بشكل واسع، وتسهيل التجارة بين أعضاء الكتل الاقتصادية، اثناء ذلك، دخلت منظمة التجارة العالمية كخلف لـ GATT، فهي تقدم بوصفها أحد اشكال الحراسة، التحكيم، والتشجيع لتجارة حرة تؤدي مهامها بسلام.
في كانون الأول 1997تم اختتام جولة من المفاوضات استمرت لنصف عام في جنيف، والتي أدت الى تحرير شبه كامل للأسواق المالية، البنوك التأمين، إدارة الأموال، وقد سارعت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي الى مدح هذه الاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ في شباط 1999 في 132 دولة عضو في منظمة التجارة العالمية. وفي الوقت الذي كانت فيه دول نامية، صناعية او اشتراكية سابقة، لا تستطيع ان تمنع تسرب أفكار المنافسة الليبرالية الجديدة والنقدية، فان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يقدمان نفسيهما كمؤسستين تنقلان هذه الأفكار الليبرالية الجديدة حتى اقصى طرف من الكرة الأرضية. فهما يربطان منح القروض للدول النامية، ودول شرق أوروبا بإجراءات السياسة الاقتصادية الليبرالية إزالة الحواجز الجمركية، تراجع الدولة عن التدخل في الاقتصاد، تخصيص الشركات والمؤسسات الحكومية، فتح الحدود امام التجارة، مشاركة الشركات الأجنبية. بيد ان تشجيع هذه الأيديولوجية للتجارة الحرة والسوق، وانتشارها على المستوى الكوني، لم يدفع بنعمها خارج النظرية، بينما يترافق حضورها العملي في المجتمعات التي تطبقها بالأخطار الجسمية.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
عمر سعد سلمان

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه