براءة يومنا السابق

بقلم فاروق يوسف نيسان/أبريل 13, 2024 477

براءة يومنا السابق


في زمن ما قبل ثورة الاتصالات التي تحوّلت إلى جنون جماعي كان العشاق يكتبون الرسائل التي يحملها نوع وهمي من الحمام الزاجل.

الحياة لم تكن بطيئة كما يُخيل
قبل ظهور الهاتف النقال لم تكن الحياة بطيئة كما يُخيل لمَن لم يعش ذلك الزمن بعمق. "كان الإنسان يومها يملك فسحة من الوقت يختلي فيها بنفسه، من غير أن تعكر صفاء عزلته أصوات قد تضطره إلى التضحية بخصوصيته” يقول البعض.

ولم يكن العشاق عاجزين عن اختراع الأساليب التي تمكنهم من القفز على المحظورات باستعمال الوسائل التقليدية ومنها الهاتف المنزلي الذي يشترك فيه كل أفراد العائلة. غير أن تلك الأساليب قد تؤدي أحيانا إلى فضخ ما تتكتم عليه العيون. فإذا كانت الجزائرية وردة قد ضيعتنا بغموض قصدها وهي تقول "دق الحبيب دقة/ بمنتهى الرقة/ فتحت لو قلبي وما قلت لوه لاءا" فإن اللبنانية صباح قد أوضحت بأن الخطأ في الاتصال قد يؤدي إلى سوء فهم أكبر منه "غلطان بالنمرة/ أنا مش بيضة ولا سمرة/ أنا حنطية وعندي أولاد وساكنة بشارع الحمرا".

وفي زمن أبعد كان إحسان صادق قد وقع في مأزق أكثر صعوبة حين انقطعت خطوط اتصاله بسبب خطأ غير مقصود “تلفنتلك يا سمرة/ وردت أمك ع النمرة/ قالت لي أعمل معروف متلفن تاني مرة”.

والسمراء هنا يمكن أن تكون أيّ سمراء حتى تلك التي غنّى لها كارم محمود “سمرة يا سمرة/ مرة في مرة/ شغلني هواكي/ دمك خفة وتاج العفة شبكني معاكي”. ما كان يقع يبدو بسيطا بل وساذجا غير أنه لم يكن كذلك.

في زمن ما قبل ثورة الاتصالات التي تحوّلت إلى جنون جماعي كان العشاق يكتبون الرسائل التي يحملها نوع وهمي من الحمام الزاجل. ومن الظريف أن هناك كتبا متخصصة بتعليم كيفية كتابة رسالة غرامية، عير أن المكتبة تفتقر إلى كتب تعلّم الناس كيفية التعبير عن عواطفهم كلاما.

يتبادل العشاق اليوم الأغاني من خلال هواتفهم النقالة وهو ما لم يكن ممكنا في الزمن الذي غنت فيه شادية “مخاصمني بقالو مدة وف ليلة شوق ناداني/ كلمتو سمعت حسو وقفلت السكة تاني” في الأغنية نفسها تقول شادية “في الليل والدنيا ظلمة دورت نمرته/ وسكت ما قلت كلمة وأنا أسمع همسته/ قال إيه ألو مين/ وأنا بإيدي اليمين/ خدت السماعة أبوسها وقفلت السكة تاني".

كم كان العالم يومها بريئا. وحين يقول نزار قباني على لسان نجاة الصغيرة "اليوم عاد كأن شيئا لم يكن/ وبراءة الأطفال في عينيه" فإنه يشير إلى ذلك العالم الذي اختفى من غير رجعة.

فاروق يوسف
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه