مصادر القوة والسلطة في العراق

مصادر القوة والسلطة في العراق

منقذ داغر

(يقصد بالسلطة القدرة على جعل الآخرين يفعلون أشياء ما كانوا ليفعلونها بدون وجودها. والسلطة هنا لا تقتصر على السلطة القانونية بل تتعداها الى كل أشكال القوة القهرية أو التعاونية،والرسمية وغير الرسمية،والخاصة أو العامة. يختلف علماء الأجتماع في تحديد مصادر القوة الأجتماعية لكني أتبنى أنموذج مايكل مان Michael Mann الرباعي -الآيدلوجيا،الأقتصاد،الجيش والسياسة- بعد تعريقه ليناسب الظرف الأجتماعي للعراق حالياً).

لقد جاءت الفرصة على طبق من ذهب للأسلامويين (الشيعة والسنة) لكي يقدموا الدين كآيدلوجية منقذة فتداولها الناس بسرعة للتخفيف من معاناتهم وحل معضلاتهم والأجابة عن تساؤلاتهم. فأميركا هي سوط الله الذي ضرب به صدام(وكلاهما ظالمَين)! والتعاون مع المحتل أنما هو من باب(الضرورات التي تبيح المحضورات،أو من باب التقية). وأن كل ما يحصل في العراق هو من (تدبير الله وقدره المحتوم). أو من باب(الأنتقام للمظلوم وعودة الحق الألهي لأهله)! وأن العراق ما كان له أن يصل لهذه الحال لولا الأبتعاد عن الله وتبني آيدلوجيات (علمانية) فاسدة كالبعث والشيوعية أو الليبرالية. لذا لم يكن مستغرباً أن 87 بالمئة من العراقيين سنة 2004 كانوا يريدون أن تستند قوانين الدولة العراقية ودستورها على الشريعة الأسلامية. لقد جرى كل ذلك في ظل غياب تام لبديل آيدلوجي يستطيع ملء الفراغ الفوضوي وتوفير الراحة النفسية للمجتمع بعد سقوط البعث الذي بم يسمح أثناء حكمه بوجود أي آيدلوجية بديلة.

أن التحول الآيدلوجي لأي مجتمع وتبنيه لأنموذج فكري جديد يحتاج لثلاث عوامل:الأول هو فشل الآيدلوجية الراهنة في أيقاف الفوضى،وهذا ما حصل في العراق بعد أقل من عقد على أحتلاله حيث أشارت كل الأستطلاعات التي أجريت في العراق منذ أكثر من عشر سنوات للآن الى تفضيل عالي لخيار فصل الدين عن الدولة بعد أن أدرك الشعب فشل الآيدلوجية الدينية في أدارة الدولة. أما العامل الثاني المهم لحصول التحول الآيدلوجي فهو توفر البديل المناسب للآيدلوجية الراهنة(الدينية).هنا لا يبدو أن الآيدلوجيات العلمانية المتوفرة(القومية،والأممية،والليبرالية) كانت قادرة على صياغة وتقديم البديل بخاصة وأنها لم تراجع وتنتقد ممارساتها السابقة ولم تقدم بديل مقبول عنها. وعلى الرغم من أن الظروف قد تكون ملائمة لنظرية العراق الأمة(الدولة الوطنية أو القومية) لكي تكون الآيدلوجية البديلة،الا أن هذه الآيدلوجية وقادتها في الميدان يبدون عاجزين أو ضعيفين في مواجهة الآيدلوجية الدينية التي مأسست نفسها بشكل عميق فكرياً وحتى أقتصادياً. ويتمثل العامل الثالث المهم للتحول الآيدلوجي بحصول حدث كبير يؤدي الى قلق أجتماعي ونفسي بهز الثقة بالآيدلوجية الراهنة.لقد كانت ثورة تشرين 2019 بمثابة اللحظة التاريخية التي أفلتت من أيدي العراقيين بسبب عدم توفر البديل عن الخيار الديني أو العلماني التقليدي(البعثي والشيوعي والليبرالي). لذا فقد فشلت قوى التغيير الآيدلوجي في أستثمار لحظة تشرين بسبب مباغتتها لهم من جهة وعدم جهوزيتهم من جهة أخرى. أن تكرار لحظة تشرين ممكن جداً كما أن فشل القوى البديلة في أستثمارها ممكن جداً هو الآخر. ولكي يكون البديل الآيدلوجي جاهز فأن عليه أستثمار فشل الأنموذج الديني،وفوضاه القائمة لبلورة أنموذج عملي(ونظري أذا أمكن) يجيب عن التساؤلات الكبرى الآتية:

-ماهي أولويات الحكم (مكافحة الفساد،القضاء على المحاصصة،تطوير الأقتصاد،تحقيق الأمن أم غير ذلك)؟

– هل هناك تعارض بين النظام البديل وبين الدين؟ وهل يمس بحرية المعتقدات والممارسات الدينية؟

-ماهو معيار المواطنة الأساس؟ وماهو الموقف من ثوابت الديموقراطية وأسسها كلها(وليس الأنتخابات فقط).

-كيف نبني مؤسسات(تشريعية وتنفيذية وقضائية)عابرة للطوائف ويطمئن المواطن لعدم أنحيازها؟

– ما هو شكل النظام الأقتصادي في العراق(رأسمالي حر، رأسمالي أجتماعي،أشتراكي، أم مختلط)؟

-كبف يمكن تعديل الثقافة الأجتماعية السائدة لتناسب القرن الحادي والعشرين وتحافظ على تميز العراق الثقافي؟

أخيراً لا بد من أعادة التأكيد أن الآيدلوجيا هي حجر الزاوية في مصادر القوة الأجتماعية في العراق والمجتمعات المشابهة.مع ذلك فأن ما يحصل من تغيرات وتحولات في مصادر القوة الأجتماعية الأخرى وتفاعلها مع بعضها البعض هو من يقدم لنا الرؤية الشاملة للمجتمع.لذا سأناقش في المقالات القادمة كل واحدة من مصادر القوى الأخرى( الأقتصاد والجيش والسياسة) كي يكتمل أنموذج التغيير الأجتماعي الذي أتبناه هنا.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه