قصة ازمة البيزو المكسيكي

عمر سعد سلمان

كانت المكسيك حتى أواخر 1994 من الدول المغرية في مجال الاستثمار، وحققت وعودها بأرباح خيالية، ذلك لان البيزو كان مرتبطاً بالدولار الأمريكي، وقد قدم حينها فوائد مرتفعة جداً. فقد استثمرت المليارات من الدولارات في المكسيك، وبدا مستوى التطور المتحقق هو على الطريق الصحيح، بحيث تنضم المكسيك الى دول جنوب شرق اسيا (النمور الاسيوية) من حيث قدرتها للتغلب على ازمة المديونية (للعالم الثالث) بنجاح. غير ان أجراس عيد ميلاد لعام 1994 قد اسكتت المدائح، ليظهر ان حاجة المكسيك هي أكثر من مليار دولار لضمان قدرة الدولة الائتمانية. فقد أعلنت الآلاف من الشركات افلاسها، في الوقت الذي تحول فيه مئات الآلاف الى عاطلين عن العمل (الازمة الأولى للقرن الحادي والعشرين) ما الذي حدث فعلا؟؟

في 1 كانون الأول 1994 بدء العمل بمنظمة التجارة الحرة لشمال الأطلسي. ودولها كانت كندا، الولايات المتحدة، وبلد نامي هو المكسيك. اذ اريد بانضمام المكسيك الى هذه المنطقة، تقديم نموذج على ان البلدان النامية في وضح يسمح لها باللحاق واختصار المسافات، من خلال التجارة الحرة. غير انه في عام 1994 كانت المكسيك قريبة من اعلان العجز المالي، وفي نفس الوقت لتأسيس (النافتا) من عام 1994، بدأ التمرد في احدى دول الاتحاد المكسيكية (شياباس) بالقرب من غواتيمالا، مدعومة بجيش التحرير الانفصالي (EZLN) وهذا التوقيت لم يكن مصادفة. اذ جاء (اعلان جيش التحرير رفضه القاطع للنافتا. لأنها في الشكل المتفق عليه، سوف تهدد الوجود الأساسي لملايين الفلاحين الصغار. وفي سياق محاولة كبح التمرد عسكرياً بوحشية، توجب على الدولة المكسيكية – وبسبب الضغط الدولي العام – ان تقدم للانفصاليين مبادرة وقف القتال من طرفها، وحتى العفو العام اخيراً. غير ان المتمردين (العصابات) يملكون تأييداً قوياً من السكان ويتحركون في الإقليم بحرية كما السمك في الماء، ولم يكتف التمرد برفضه لليبرالية الجديدة، بل بدأ يهز الأركان الأساسية لسياسة المجدد (ساليناس) الذي أراد ان يجعل بلاده أكثر جذباً للرأسمال الأجنبي.

وفي عام 1994 تم قتل مرشح الرئاسة (كولوسيو) المطيع للرئيس الديكتاتوري المهيمن على السلطة. كذلك في نفس العام تم اغتيال سياسياً آخر رفيع المستوى. وقد زادت الولايات المتحدة الازمة سوءاً عندما رفعت سعر الفائدة. الى جانب عدم الاستقرار السياسي الداخلي، هناك مسالة أخرى وهي ان سندات الدين المكسيكية راحت تخسر مقابل الجاذبية الامريكية كأشارة واضحة لازمة البيزو المقبلة. اذ بدأ رأس المال المرتبط بالاستثمارات قصيرة الاجل ينسحب نحو الولايات المتحدة، ذلك لان البيزو قد فقد خلال أسبوع واحد 40% من قيمته بسبب الطلب المنخفض (مما اضطر الرئيس المكسيكي للتضحية بوزير ماليته، والتشديد على الإصلاح الفوري لموازنة الدولة).

وللاحتفاظ بالثقة المالية للحكومة، وفر الرئيس الأمريكي ضمانات قروض للمكسيك بما يزيد عن 40 مليار دولار امريكي، وخلافاً لكل التوقعات، بدأت الازمة بالتفاقم، اذ لم يكن واضحاً فيما إذا كان الرئيس الأمريكي (كلينتون) سيحصل على الأموال التي وعد بها، اذ تناصره الأغلبية الجمهورية في الكونغرس العداء.

انطلاقاً من هذه المعطيات، راح المستثمرين في الدول المصنعة حديثاً يتخوفون من ان يحدث لهم ما حدث في المكسيك. لذلك وفي كل مكان من العالم بدأ الرأسمال ينتقل الى العملات الصعبة، كما الدولار والمارك الألماني. وقد كان ضرورياً، ومن خلال إثر كرة الثلج المتدحرجة، ان يوفر صندوق النقد الدولي، والرئيس الأمريكي (كلينتون) وخلال 24 ساعة قرض المساعدة الأكبر، منذ خطة مارشال وبدون أي مراقبة برلمانية. وللمرة الأولى استطاعت المكسيك من خلال 50 مليار دولار ان تضمن قدرتها الائتمانية، وبفضل هذه المساعدة السخية، لم يعد يتوجب عليها الخروج من نهج الليبرالية الجديدة، او ان تفرض المراقبة على القطع الأجنبي. وبعد هذا الانكماش فقد البيزو نصف القيمة التي مثلها قبل أشهر قليلة. بينما تقلصت الميزانية الحكومية، فهدأت أجواء التوتر في الأسواق المالية، كان يمكن حدوث كارثة حقيقية عالمية لو توجب على المكسيك تطبيق الرقابة على العملات الأجنبية، كي توقف هروب رؤوس الأموال، واخيراً مصداقية التطور الموجه عبر السوق، بعد ان كان موضع رهان بالسقوط. بيد ان الوضع كان مختلفاً على صعيد السكان المكسيكيين، اذ تمت خسارة 2.4 مليون فرصة عمل خلال اقل من نصف عام، بعد ان احتاج إنجازها لأكثر من 7 سنوات. وبنفس الوقت أعلنت 60 ألف شركة بناء الإفلاس. كما تقلص الناتج الإجمالي المحلي 10% وارتفع التضخم 35%.

ان تخفيض سعر صرف عملة ما، او تهديد القدرة الائتمانية وفقدان الثقة المالية، يسفر عن مشكلتين: وهذا يعني بالنسبة للسكان: ان النقد الأجنبي أصبح مرتفعاً ومكلفاً أكثر، وان التضخم يزداد من خلال ارتفاع الأسعار المستمر. الصناعة والشركات التجارية المعتمدة على سلع اجنبية تقارب الإفلاس هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهذا يعني بالنسبة للمستثمرين الأجانب والمضاربين: الخسارة، وفي النهاية ان حالة كهذه تدفع بالدولة نحو الشلل الاقتصادي.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
عمر سعد سلمان

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه