ماذا لو تحررت عقولنا؟

بقلم ضياء المياح  نيسان/أبريل 19, 2024 122
ماذا لو تحررت عقولنا؟
 
ضياء المياح 
 
كل منا يرى نفسه أو يدعي أنه صاحب عقل منفتح مع محيطه ومتحرر من القيود في التعامل مع الأشخاص والحكم على الأحداث. والحقيقة أن كثير منا مخطئ في هذا الوصف، لأن الأمر ليس بهذه السهولة التي قد يعتقدها البعض. كل واحد منا لديه ثقافة ومعرفة كونها عبر تجاربه ودراساته أو تكونت عبر بيئته ولا يستطيع أن يتجاوزها عند تعامله مع الأشخاص والأحداث. إنها معايير وضوابط يستخدمها رغما عنه للوصف والتصنيف والتعامل والحكم الذي قد يكون حكما أبديا لا رجعة عنه.
من الطبيعي أن يكون لنا موقف ما اتجاه شخص أو حدث بناءا على ما لدينا من خزين ثقافي ومعرفي ولمرة واحدة دون أن يكون هذا الموقف أساسا لأحكامنا القادمة على هذا الشخص في مواقف أخرى أو على حدث مشابه لشخص ما بظروف مختلفة. المشكلة تكمن في مواقفنا وأحكامنا التي تخرج الآخرين من إنسانيتهم أو وطنيتهم أو أديانهم أو مذاهبهم بحسب أحكامنا السابقة أو الجاهزة أو تجاربنا ومعرفتنا كقيود لا نستطيع الإفلات منها. نفتخر بأحكامنا هذه لأننا نراها قدرة تميزنا أو نخالف بها الآخرين، في حين إنها قيود على عقولنا ليس من السهولة التخلص منها ولا حتى إبعادها ولو قليلا لنحكم بعقول مجردة ومتحررة فعلا.  
عقولنا المقيدة ليست بالضرورة وعلى الدوام هي مصدر الأحكام السلبية على الآخرين أو على نظرتنا السلبية للأحداث، بل قد تكون الأحكام إيجابية حينما نصدر أحكامنا لصالح أشخاص أو أحداث في نظرنا كبيرة أو مهمة أو عظيمة وفي نظر غيرنا سيئة أو سلبية أو غير إيجابية على أقل تقدير ولا تستحق وصفنا الإيجابي. وهكذا نتخذ من مخزوننا الثقافي أو المعرفي وحتى محيطنا المشابه لنا في كل شيء ودون وجه حق أو دون أسس منطقية سببا لتحسين صور أشخاص أو أحداث أو لتشويه صور أشخاص وأحداث أخرى وإن تشابهت، نضفي على من نحب أو نقتنع أو نتفق معهم أوصاف الإنسانية أو الوطنية أو الدينية أو المذهبية ونجردها ممن نكره أو نختلف معه.
القيود التي وضَعناها أو وضٌعت على عقولنا لا ندركها ولا نشعر بها. إنها تتخللنا في كل قول وفعل، فتبدو علينا في الكلمات والحركات حينما نعلن آرائنا أو نصف ونصنف أراء وأفعال الآخرين، في حماسنا وبرودنا عند النقاش وعند الكتابة؟ في اهتمامنا وتجاهلنا للمواضيع. إنها القيود التي تلتف حول عقولنا فتخلط الأشخاص والأحداث والمواقف بمخزوننا الثقافي والمعرفي لنحكم حكما يتناسب مع ما نحب أو ما نكره، مع ما نتمنى أن يحدث أو مع ما نتمنى أن لا يحدث. نسير وفقا لقاعدة أما أن تكون صديقي أو خصمي، وإن لم تكن معي فأنت مع عدوي. ليس هناك منطقة وسطى متاحة للأشخاص الذين نتعامل معهم ولا تفسيرات محتملة غابت عنا ولا مجال للحياد. إنها عقولنا المقيدة يا سادة، إذ ليس هناك مجالا لقبول الآخرين وأرائهم وتصرفاتهم وأديانهم ومذاهبهم.
قيم الموضوع
(7 أصوات)
آخر تعديل على الجمعة, 19 نيسان/أبريل 2024 20:00

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه