فتى القطار

بقلم نسرين ولها أديبة تونسية نيسان/أبريل 21, 2024 226

نسرين ولها أديبة تونسية

كان الوقت صيفًا ، حرارة مرتفعة تشوي الأفئدة قبل الجلود ، أمواج بحر باسقة في سكوتٍ تامّ حتّى هي الأخرى أخذت منها الرّطوبة مأخذًا، و الطّرقات تتنفس بُخار الماء . و رغم كلّ ذلك الحرّ ، خرجت نُوسين رقفة عائلتها في رحلة صيفيّة إلى مدينة " سادن " السّاحليّة . كان بِودّها لو تعتذر عن الذّهاب بِأيّمَا حُجّة و لكنّ القدر سحبها سحبًا لطيفًا إلى قدرها المحتوم. و طوال المسافة التي قطعها القطار مترنّما على السّكة الحديدية ، كانت ملامحُ وجهها تتمايلُ بين النُّعاس و اليقظة و أحيانًا يخطفُ جمال الرّيف ابتسامة من شفاهها المشدودة ، فتبدو و كأنّها و الطبيعة سيّان .
لمّا تناهت صافرة القطار الفذّة إلى آذان المُسافرين و جلجلت المكان ،لاحت محطّة "سادن" بحركتها المُكتظة وبنائها المتأثر بزخرفة الفسيفساء وكلّ ما هو تقليدي . نزلت نوسين درج القطار الضّيق بحذر شديد و تبعت أخاها و أختها الصّغرى. يا له من تزاحمٍ شديد على الأوليّة في يوم باذخ القيظ !
بعد جولة دامت ربع ساعة في شوارع المدينة ، ألفت العائلة نفسها أمام نسماتٍ خجولة انفلتت من قبضة البحر وأتت مُرحّبة بقدومهم، كان الشّاطئ وقتها يعجّ بالمُصطافين و بشتّى ألوان قوس قزح من المظلّات . اختارت عائلةُ الصّادقي مقهًى جميلاً و جذّابًا استوى بمساحته الواسعة على الضّفة الشرقيّة للبحر ، إذْ تراصفت الكراسيّ مع الطاّولات في تناسقٍ فخمٍ يسرُّ العين ، حتّى الظلّ الذي تعكسهُ المظلاّت الفارهة كأنّه اصطبغَ برومانسيّة المكان فأصبح ظلاًّ من حُبٍّ و عاطفةٍ. اِقترب النّادل إليهم بَشُوش الوجه بملامح مُريحة تُوحي بالتّرحاب الباذخ و قدّم لهم قائمة المأكولات و المشروبات التي اشتهر بها المقهى بِمُنتهى اللّطف فكأنّه عَلِم ما تكبّدوه من مشقة السّفر كي يكونوا هنا الآن . أخذت نوسين تتصفّح القائمة و تسترق بين الفينة و الأخرى النّظر إلى أطياف النور التي تنشأ بين بصرها و أشعة الشمس و زرقة مياه البحر. كم أنّ المشهد ساحرٌ حتّى النُّخاع ! هي لا تشتهي أيًّا من الأصناف بِقدر اشتهائها لهواءٍ نقيٍّ خالٍ من شوائب الاختناق و الإكتئاب ، هواء تتنفّسه بقلبها قبل رئتيها ، يا لها من معادلة صعبة بل مُستحيلة في علم الأحياء و ممكنة في عالم الخيال فحسب!
مضت حوالي ثُلث ساعة قبل أن يُطلّ عليهم النادل كرّة أخرى حاملاً بين يديه ما لذَّ و طاب من الطّعام ، وضع الأطباق فوق الطاولة بهدوء ثمّ انصرف و ترك عائلة الصّادقي تكتشف بنفسها مذاق مدينة "سادن". و كُلّما دنت الشمس من كبد السّماء ، ارتفعت حرارة الطّقس أكثر فأكثر .و أصبح الوضع لا يُطاق بالمرّة فإمّا أن يبحثوا عن فندق يقيهم شرّ الشمس الحارقة أو أن يعودوا إلى مدينتهم ، فجعل الأب و الابن يتفقّدان من الانترنت قائمة الفنادق المتاحة حاليًّا و القريبة من مكان تواجدهم ، و لكن جُلّها بعيدة و ملآنة. و بعد دقائق من التّشاور، اتقفق الجميع على العودة . حملوا حقائبهم و اتجهوا إلى محطّة القطار بصفة مُستعجلة كأنهم كانوا في رحلة جويّة غريبة و قصيرة المدى حيث يقرّر كابتن الطّائرة فجأة تغيير وجهة الطّائرة لطارئٍ ما و العودة إلى أحضان المطار من جديدٍ، من يدري ما تخطّه إرادة القدر على رقّ الوجود!
كان سائق التّاكسي يسير بهم بين الأزقّة على أحرّ من الجمر لا عبر إطارات السيّارة وهو يتصبّب عرقًا و يتذمّر من مهنته أيّما تذمّرٍ فِيما لا ينفكّ السيّد صادق يُهدّئ من روعه و يلقي عليه حفنة من كلماته الحكيمة فتفعل به مفعول المُسكنات عند التشّنجات العصبيّة . وها هي المحطّة الثانويّة لمدينة "سادن " تمدّ قامتها أمامهم أخيرًا، إذْ أنّ قطار الثالثة مساءً دومًا يمرّ عبر المسلك الثانوي لأرجاء المدينة فيكون هو نقطة الانطلاق لأيّ وجهة أخرى.
ولجت نوسين و بقية أفراد عائلتها عتبة البوّابة الصّغيرة للمحطّة ، و حثّوا الخُطى إلى شُبّاك التّذاكر و اقتطعوا تذاكرهم بعدما أكّد لهم الموظف أنّ القطار يكاد يصل ، ثمّ أخذ كلّ منهم مقعدًا للرّاحة و الانتظار. كانت الأعين مُصوّبة إلى نوسين رغم تعمّدها إلى خفض بصرها عن البحلقة في وجوه الآخرين وهيئاتهم و اختلاف ملامحهم، يُمحّصون تفاصيلها بنظراتهم الجريئة كأنّما لا توجد أنثى غيرها على وجه المعمورة، ليتهم يكفّون عن ذلك ! فالجمال هو قلم الله يجري باسمه بديع السّماوات و الأرض فُيفصّل به الخلق كيفما شاءت مشيئته و يا ليت أبصارهم تمتدّ إلى ما وراء المادّة فيبصرون الجمال الحقيقيّ للرّوح. و هَهُنا يُقال بأنّ جمالَ الرّوحِ ثقيلٌ جدًّا على العيون و نوره الوهّاج يُغشي الشبكيّة و قد يعميها، لذلك تكفّلت عيون القلب المُبصرة بهذه المُهمّة الرّوحيّة !
فجأةً، دفع ثلاثة شُبان باب المحطّة و هبطوا على الموجودين كخبر عاجلٍ، و كان من بينهم شابٌ طويل القامة يلبس لباسًا أبيضَ اللّون، بدَا مِثلما ينتمي إلى صنف الملائكة لا يُشبه البشر و ملامحه أقرب إلى الجنّة منها إلى الأرض، مشى بخطوات ثابتة إلى غاية نوسين و كأنّه يعرفها أو سيُسلّم عليها غير أنّه جلس على الكرسي المُجاور لها . ثم أخذ يسترقُ النّظر إلى عينها. هي مازالت لم تُدقّق فيه من كثبٍ رغم القُرب الوَضّاح بينهما .و لكنّه علق ثمّةَ في ملامحها و التصق بالكُرسيّ و لم يبرحه على أمل أن تلتفت إليه حتّى نصف اِلتفاتة . هو لا يعلم أن تلك الشّابة كثيرة الحشمة على الرّغم من جُرأتها في أمورٍ تستوجب ذلك و أنّها تسمّرت في مقعدها بمجرّد إحساسها برجلٍ غريبٍ يجلس بالحذوِ منها و أنّ الحياء قد بدأ يطفح على وجهها و يُزيّنه بحمرة طفيفة رائعة تزيد من أنوثتها الصّارخة.
و على حين غفلة من المُسافرين الذين تتعالى أصواتهم من كل صوبٍ ، اقتربت طفلة صغيرة من السّكة الحديدة فهبّ إليها مثلما تهبّ رياحُ التغيير على أهلها و احتضنها في حُنوٍّ و أبعدها عن الخطر كاشفًا عن ابتسامة بريئة من شاب يافع إلى طفلة في نعومة أظافرها و كان ذلك المشهد هو الشّاهد الأوّل على التقاء عُيون كلٍّ من نوسين وذلك الغريب. كانت الصّدمة كبيرة على قلبها ، و أحسّت بانجذاب قويّ نحوه كأنّما روحها تعرفه منذ الأزل فارتبكت و أرخت أهدابها إلى الأرض على الفورِ ، فيما عاد هو مُهرولاً إلى نفس المقعد و جلسَ مُجدّدًا حذوها و لم يقدر أن لا يتفحّصها بنظراته من حين إلى آخر. إنّ الوضع كان لا يُحسد عليه بالمرّة عائلتها من جهة و ذاك الشّاب الذي يتودّد إليها بعينيه من جهة أخرى. هل تهرب مثلاً و تتركهم يفضّون المُشكلة وحدهم و يُحدّدون موعد الزفاف من دون مُماطلة ؟ أم تبقى مُمزّقة الفُؤاد بين الطّرفين؟! لكنّها ظلّت ثابتة مثل النّخلة ، فمن يُريد ثمارها يتوجّب عليه أن يسعى و يمدّ يده إليها في الحلال إذْ لم يحدث أن انحنت نخلة شامخة للمارّين بها، و إنْ أغدقت رُطَبًا فإنّما يكون ذلك على أهل بيتها.
كيف السّبيل الآن؟ فالوقتُ يمرّ و باتَ لِزامًا على ذلك الشّاب الجميل أن يجدَ حلاً سريعًا ، فهو لا يعرفُ عنها شيئًا غير عينيها الواسعتين و طلّتها البهيّة ، ما هو اسمها يا تُرى؟ وهل يُشبهها أم أنّه مُجرّد اسم أطلقه عليها والداها تماشيًا مع العادات و التّقاليد ؟ كان داخله يغلي على نحو فائرٍ ، ثمّ قرّر القدر أن يهبه أولى خيوط الرّحمة فإذا بأبيها يُناديها باسمها بصوت جوهريّ يخترق الآذان بل و يهزّها هزًّا خفيفًا أيضًا ، " نُوسين.. نُوسين .. نُوسين " هل عطشتِ ؟ خُذِي اِشربي القليل من الماء فالحرارة لا ترحم يا ابنتي ! لقد قال" نوسين "غير أنّ الشاب اِعتقده " نِسرين" فهو لم يسمع باسم " نُوسين" من قبل مُطلقًا. فقال في سرّه منبسط الأسارير " نسرين " . و فيما كانت نُوسين تحاول إحكام غطاء قارورة الماء انفلتت من بين يديها و سقطت على الأرضيّة فتلقّفها على الفور و مدّها إليها هامسًا " تفضّلي نسرين " كان يبتسم على نحو غير مسموعٍ ، أحداقه تلمع و شفاهه تكادُ تنفجر من الضحك المكبوح و يده ترتجفُ من الفرحة العارمة التي تجوب في أوصاله. تناولت الفتاة القارورة في خجل جليٍّ و صحّحت له الخطأ " نوسين و ليس نسرين " فلمّا بقي يتأملّها مُندهشًا أضافت في ارتباكٍ طفيفٍ " اسم نسرين يعني الورد و نوسين يعني المُستقبل" فردّ عليها " أهَا ..نوسين النسرين " و ضحك كثيرًا و أشاح بوجهه إلى الجهة المُقابلة حتى لا يُثير الرّيبة، ثُم لمَّا أٌتيحت له الفرصة همس قُرب أذنها " هل فهمتِ كلامي ..فأنت مُستقبل الورد ..هكذا سميّتك أنا "
لقد حالفه الحظّ أنْ يُفشيَ ما في قلبه دُون أن يتورّطَ في المتاعب و أنقذه صوت صافرة القطار الذي احتلّ المحطّة بهيبته القويّة مُعلنًا قُدومه في صخبٍ. دقّت اللّحظة الحاسمةُ و تهاتف على المَقْطورات جميع الرّكاب، يعجّلون الخُطى كأنّهم في سِباقٍ ما ، فيما كان ذلك العاشق الولهان يجرّ قدميه جرًّا ، يخاف أن يضيع منه طيفها . و لو كان في وسعه لعطّل جميع محرّكات القطار و شلّ حركته بالكامل ، بل و أوقف عقارب السّاعة و اختزل كلّ حياته في تلك اللحظة السّماويّة . ماهي إلاّ دقائق حتّى أخذ كلّ المسافرين مقاعدهم ما عدَا هُوَ ، ظلَّ واقفًا في ممرّ العبور ليُطلّ على نوسين من حين إلى آخر. إنّها ضريبة الحُبّ تُفقد المرء صوابه فتكون القيادة والرّيادة للقلبِ وحده.

قيم الموضوع
(1 تصويت)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه