أزمة المهاجرين في تونس: الشعبوية لا تنتج حلولا

بقلم مختار الدبابي أيار 05, 2024 46

أزمة المهاجرين في تونس: الشعبوية لا تنتج حلولا


خطاب معاداة المهاجرين الأفارقة وتحميلهم مسؤولية انعدام الأمن وتهديد التركيبة الديمغرافية لا يؤخر ولا يقدم في حل الأزمة.

أزمة عبور
بعد أشهر من الجدل، نجحت تونس في تجاوز الاتهامات التي وجهت لها بالعنصرية بسبب خطاب تداخل فيه الرسمي والشعبي وتم من خلاله التعاطي مع المهاجرين وتصويرهم على أنهم “مؤامرة” تهدف إلى “تغيير” تركيبة المجتمع التونسي.

منذ ذلك الوقت صارت الجهات الرسمية تحسب جيدا مفرداتها وتوجه رسائل واضحة لتأكيد أنها لا تنظر إلى أزمة المهاجرين من جانب عنصري، ولكن من زاوية الأعباء التي تلقي بها على كامل دولة تعيش وضعا خاصا لم تتعاف فيه من أزمة مالية مستمرة منذ 2011.

لكن تحاشي عنصرية الخطاب لم يمنع الحكومة من أن تكون في صف المقاربة الشعبية التي تستثقل وجود المهاجرين الأفارقة وتطالب الدولة بالتدخل الأمني لتفكيك بؤر تمركز المئات من القادمين من جنوب الصحراء.

◄ سياسة الإرجاء لن توقف أزمة اللاجئين ولن تحلّها، وتونس تحتاج إلى تسريع التفاوض مع أوروبا لمواجهة هذه الظاهرة

تدخلت الأجهزة الأمنية منذ أيام لإخلاء عمارة بولاية صفاقس من مئات المهاجرين غير النظاميين، حيث تواجه الولاية أزمة متفاقمة بسبب تدفق مهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء. وقرى صفاقس خاصرة رخوة تتيح لمهربي البشر تأمين عمليات الـ”حرقة” بشكل أسهل من مناطق أخرى.

وبررت الجهات الأمنية اقتحام العمارة السكنية بأن “الوضع الصحي والبيئي في العمارة كان مترديا ويهدد بتسرب أمراض”، كما جاء على لسان متحدث باسم الحرس الوطني، مشيرا إلى “تورط جماعات من المهاجرين في المبنى في قضايا اتجار بالبشر واحتجاز رهائن وأعمال أخرى غير أخلاقية”.

لكن من المهم أن هذا التدخل جاء استجابة لمطالب من السكان وانتقادات للدولة بالتقصير والتهاون في مواجهة الظاهرة. وهذا أمر مفهوم، ففي النهاية السلطة لا يمكن أن تكسر انتظار جمهورها ولا أن تتلافاه خاصة أنها على أبواب انتخابات رئاسية والرئيس قيس سعيد يحتاج إلى كل صوت حتى يحافظ على الصورة التي رسمها لنفسه كرئيس مقبول شعبيا على نطاق واسع.

وضمن الاستجابة لانتظارات الناس يمكن فهم ما قامت به قوات الأمن من إزالة لأكواخ المهاجرين في زياتين العامرة وجبنيانة من محيط مدينة صفاقس، أو إزالة خيم المهاجرين في منطقة البحيرة بالعاصمة تونس و”ترحيلهم إلى الحدود الجزائرية”.

وأخلت الشرطة ثلاثة مخيمات أقيمت منذ الصيف الماضي أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة وكذلك في حديقة بمنطقة البحيرة في تونس العاصمة، وفق المنظمة.

وتحاول السلطات التونسية أن تقف عند خط المنتصف في التعامل مع وضعية المهاجرين، فترضي الشارع المنزعج من تزايد التجمعات العشوائية وتأثيراتها عليه، وفي نفس الوقت لا تبدو وكأنها تمارس العنف على المهاجرين أو تعاملهم بشكل يمكن أن يثير ضدها الجمعيات التي تعنى بهم، وهي كثيرة في الداخل والخارج.

◄ الدعم الاقتصادي والمالي لدول المصدر بما يحد من موجات الهجرة، الفكرة التي طالما دافع عنها قيس سعيد وطالب بحلول جذرية لها
◄ الدعم الاقتصادي والمالي لدول المصدر بما يحد من موجات الهجرة، الفكرة التي طالما دافع عنها قيس سعيد وطالب بحلول جذرية لها
معادلة صعبة، لكن السلطة تستمر بالتمسك بها إلى حين اتضاح مآل المفاوضات مع أوروبا، وهل ستفضي إلى حلول واقعية يمكن أن تجنّب تونس الإحراج الاجتماعي في الداخل وتحصيل الدعم الخارجي.

لكن نأي السلطة عن خطأ استعداء المهاجرين، كما حصل في المرة الماضية وبدا أقرب إلى سوء تقدير العواقب، لم يمنع من عودة خطاب معارض بشكل حاسم لوجود المهاجرين الأفارقة في البلاد بشكل مؤقت، ودعوات صريحة للترحيل. والأمر لا يقف عند عامة الناس ولا نشطاء مواقع التواصل، بل ظهر أكثر جلاء و”راديكالية” عند شخصيات سياسية بعضها داعم للسلطة وتقدم نفسها على أنها في حزامها السياسي من ذلك ما جاء على لسان النائب بدرالدين القمودي، المحسوب على حركة الشعب.

ووصف القمودي تزايد أعداد المهاجرين بأنه “مؤامرة تستهدف تغيير البنية السكانية والاجتماعية لتونس من قبل جهات مشبوهة تسعى إلى توطين الأفارقة على أرضنا”.

ودعا إلى “تشكيل لجان للدفاع الشعبي تعمل على إسناد جهود قواتنا الأمنية والعسكرية في حماية حدودنا البرية ومنع كل تسلل إلى ترابنا الوطني وينتهي دورها بتطهير وطننا من كل تواجد غير شرعي للأجانب”. ودعا إلى “حل الجمعيات المتواطئة في دعمهم وتمويلهم ومحاكمة أعضائها لدى المحاكم العسكرية”، واستدعاء “جيش الاحتياط للالتحاق بثكناتنا العسكرية”.

ودعا آخرون إلى تجميع الأفارقة في مخيمات خارج المدن إلى حين التوصل إلى اتفاق مع أوروبا بشأن طرق إدارة الأزمة، مع توافق واسع على رفض التوطين بأيّ شكل وتحت أي مظلة.

ولا يمكن النظر إلى مسألة المهاجرين فقط من جانب وجودهم في تونس وتأثيراته الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، فهذا نتيجة لأسباب منها أن الدولة ما تزال تستقبل أعدادا متزايدة من حدوها البرية من جهة الجزائر وليبيا، وهي مدعوة إلى تحرك أقوى وأكثر وضوحا لوقف موجات التدفق.

بالتأكيد الأمر يتطلب تنسيقا أمنيا وتوافقا على أعلى مستويات، ويفترض أن تونس قد أثارت الموضوع في اللقاء التشاوري الثلاثي الذي استضافته قبل أسبوعين وجمع الرئيس سعيد بالرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون ورئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي.

ومثلما تكلف تونس دوريات لمراقبة الحدود البحرية والتحرك لمنع القوارب من الاتجاه إلى أوروبا ونجاحها في إفشال الكثير من الرحلات وإنقاذ المئات من خطر الغرق، فمن الأجدى أيضا بأن تكلف دوريات وفرقا لمراقبة الحدود البرية على صعوبتها لوجود جبال في الحدود الغربية وصحارى في الحدود الجنوبية.

خطاب معاداة المهاجرين الأفارقة وتحميلهم مسؤولية انعدام الأمن في بعض المناطق أو ندرة المواد الأساسية المدعومة، أو تهديد قيم البلاد وتركيبتها الديمغرافية لا يؤخر ولا يقدم في حل الأزمة.

◄ ضمن الاستجابة لانتظارات الناس يمكن فهم ما قامت به قوات الأمن من إزالة لأكواخ المهاجرين في زياتين العامرة وجبنيانة من محيط مدينة صفاقس

ولا أحد يجد مبررا لفكرة المؤامرة التي باتت تسيطر على خطاب التونسيين في النظر إلى الموضوع، فأيّ مؤامرة يمكن أن تقف وراء نزوح مئات الآلاف من سكان جنوب الصحراء الهاربين من ويلات الحروب والجفاف والفقر، ولماذا يتم التآمر على تونس بالذات، هل لضرب نموذجها الاقتصادي الناجح، أليست هي نفسها تعاني وضعا شبيها بما يعانيه الأفارقة، وهل يجوز لإيطاليا أن تعتبر أن تدفق عشرات الآلاف من التونسيين عليها في العشرية الأخيرة كان مؤامرة ومن حقها ترحيلهم؟

لماذا استهداف جمعيات ومنظمات تدافع عن المهاجرين وتسلط الأضواء على التجاوزات التي تحدث بحقهم، أليس في هذا تناقض بين طبقة سياسية تدعو المنظمات الحقوقية والإغاثية لنجدة سكان قطاع غزة وتشهّر باستهداف إسرائيل لوكالة غوث اللاجئين الأونروا ، ثم حين يتعلق الأمر بنجدة الأفارقة وتقديم الغذاء والمأوى لهم يصبح الأمر “مؤامرة” تستهدف التوطين.

قيم الإنسان واحدة، والدفاع عنها يكون شاملا وعاما أيّا كان المستفيدون منها ببشرة سمراء أو قمحية أو بيضاء أو صفراء.

يمكن للخطاب العدائي أن يصدر عن عامة الناس، لكن أن يصدر عن نخبة أو ووجوه سياسية وبرلمانية، فهذا يكشف عن وجود أزمة أعمق.

من المفيد الإشارة إلى أن سياسة الإرجاء لن توقف أزمة اللاجئين ولن تحلّها، وتونس تحتاج إلى تسريع التفاوض مع أوروبا لمواجهة هذه الظاهرة خاصة أن من بين الحلول الدعم الاقتصادي والمالي ليس فقط لدول العبور مثل تونس، بل لدول المصدر بما يحد من موجات الهجرة، وهي الفكرة التي طالما دافع عنها قيس سعيد وطالب بحلول جذرية لها.

مختار الدبابي

كاتب وصحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه