ازمة النمور الاسيوية في القرن الماضي

عمر سعد سلمان

منذ منتصف العام 1996 ارتفعت قيمة الدولار مقابل معظم عملات الدول الصناعية بشكل كبير، ولان بلدان جنوب شرق اسيا، ترتبط عملاتها بهذا الدولار، فقد ارتفعت أسعار منتجاتها في الأسواق العالمية، وبالتالي انخفضت مبيعاتها، بالإضافة الى ذلك، فان معدل التضخم في هذه الدول، ومنذ فترة طويلة، يقع عند 2 الى 4 درجات بالمتوسط، اعلى من مثيله في الولايات المتحدة، ولذلك فان تكلفة العمل في هذه الدول قد ارتفعت كثيراً.
وبسبب ارتفاع نصيب صادرات دول جنوب شرق اسيا من الناتج الإجمالي المحلي وتبعيتها المرتفعة للواردات، كان الميزان التجاري سالباً جداً. اما المضاربون فقد عرفوا بحكم مهنتهم، ان الارتباط بالدولار لم يصمد طويلاً. لكن هذه الدول كانت تعتمد على هذا الارتباط، اذ ان تخفيض قيمة النقد يرفع من قيمة الواردات والقروض (الفائدة ترتفع). فتنخفض الثقة بقدرة الاقتصاد على الأداء. بالإضافة الى ذلك، أصبح من المعروف، وبسبب من الفساد والمحاباة والمحسوبية، ان الرأسمال غالباً من يتجه الى عقارات مغالى في تقييمها، او الى المشروعات الجبارة للبنية التحتية. فالرأسمال يذهب هناك، حيث يمكن تحقيق اعلى الإيرادات، اذ يتم التقليل من شأن حدوث المخاطر، ويغمض المستثمرون اعينهم امام احتمال حدوث احدى الكوارث.
الى أي مدى يملك نقاد الاتجار بالعملات في الأسواق الكونية غير المراقبة، الحق في ممارسة هذا النقد، ذلك ما يظهره سير الازمة، فقد ابتدأت بتخفيض النقد التايلاندي في أيار 1997، والى جانب الفائض في أسواق العقارات، وصناعة السيارات والحديد، كانت الازمة قد بدأت منذ وقت طويل في الإنتاج المنخفض الأجور للصناعات النسيجية والاحذية والألعاب، وحتى تطور فروع الكومبيوتر قد أصيبت بالشلل. وفي سياق هذه الوقائع الاقتصادية، كان ارتباط العملة التايلاندية (البات) بالدولار قد خرج عن الثقة به، حيث حقق المضاربون ارباحاً خيالية جراء تخفيض العملة التايلاندية. اذ توجب على مصارف الإصدار، استخدام معظم احتياطاتها النقدية لرد موجات المضاربين، بيد ان كل ذلك لم يعد ينفع كثيراً، حيث فقد البات التايلاندي حتى حزيران 1998 حوالي 70% من قيمته. ومن اجل تطويق الازمة نظم صندوق النقد الدولي بالاتفاق مع اليابان حزمة مساعدات لتايلاند، وصلت الى 17 مليار دولار، وحتى الصين تبرعت بمليار دولار، واقترحت اليابان إقامة صندوق الإنقاذ الاسيوي بما قيمته 100 مليار دولار. وقد توجب على تايلاند تقليص انفاقها الحكومي، ورفع الضرائب. حيث اغلق 56 بنكاً من قبل الحكومة كاستجابة لتوجيهات صندوق النقد الدولي في منحة القروض، ولإعادة اكتساب ثقة المودعين والسكان بالنظام المالي التايلاندي. وبعكس ما كان صندوق النقد الدولي يأمل، فان الحسابات المصرفية للبنوك المستقرة، قد تم نهبها ايضاً. كذلك، وبغير ما توقع الصندوق، فقد توسعت الازمة عبر تايلاند الى جميع دول جنوب شرق اسيا، ولان التطورات في ماليزيا، كوريا الجنوبية، واندونيسيا، جرت مشابهة لما في تايلاند، فقد أمكن المضاربة بعملات هذه البلدان بدون اية اخطار، اذ فقدت من قيمتها حوالي 80%.
ولأن معظم هذه الدول تستورد المواد الغذائية، فقد تضاعفت أسعارها اربع مرات. وبنفس الوقت، فان ارتفاع البطالة وانخفاض الأجور، ترافق مع خلافات حادة، ونهب المحلات التجارية للصينيين (في اندونيسيا) الذين تم تحميلهم مسؤولية هذه الكارثة الاقتصادية. كذلك، توجب على ماليزيا إيقاف العمل في مشروعات كبيرة وفي البنية التحتية. وفي كوريا انهارت كبرى شركات الحديد والصلب، وأصبحت شركة KiA مهددة بالإغلاق، واستناداً للتقديرات، فان معدل البطالة في كوريا الجنوبية وتايلاند قد تضاعف عام 1997، وفي اندونيسيا هبط سعر الصرف ولم يتمكن صندوق النقد الدولي ولا الحكومة من إعادة الثقة بالأسواق المالية. وفي واقع الامر، فان دول جنوب شرق اسيا، كانت قد مولت انتعاشها الاقتصادي عبر قروض كبيرة اجنبية، والتي لم تستطع سدادها، ولا سيما بعد تخفيض قيمة عملاتها. فالقيمة التقديرية لدين كوريا الجنوبية الخارجي تضاعف عشر مرات خلال سنة واحدة، ووصلت الى 200 مليار دولار في مطلع العام 1997. بعد ذلك، أدرك المرء غياب شفافية النظام المالي والنقدي والحجم الكبير لنظام الفساد الذي تجلى أكثر وضوحاً في اندونيسيا. وحاولت المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي إيقاف الانهيارات المالية عبر تقديم قروض عاجلة آنذاك.
وحتى اليابان، فقد طالتها الازمة مباشرة، اذ ان 25% من صادرتها تذهب الى جنوب شرق اسيا التي تعرض الى تراجع بالقدرة الشرائية، وقد منحت البنوك اليابانية لهذه الدول قروضاً كبيرة عجزت على السداد بعد تخفيض عملاتها.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
عمر سعد سلمان

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه