تحسين الشيخلي

قبل دخولنا العصر الرقمي وظهور الهواتف المحمولة حيث كان للهاتف الأرضي الدور الأساسي في التواصل ، كنا نتبارى بكمية أرقام هواتف العائلة والاصدقاء والمؤسسات التي نحفظ عن ظهر الغيب.حتى ان الذين لا يقرأون او يكتبون كان لديهم قابلية حفظ ارقام الهواتف التي يجدونها ضرورية.
اليوم ، ومع كون هواتفنا لا تفارق جيوبنا وأيدينا ، لابد من سؤال، كم رقم هاتف من العائلة او الاصدقاء تحفظ بدون الرجوع الى قائمة الاتصال في هاتفك؟
غيرت هذه التكنولوجيا ظروفنا المعيشية ، أيضا الطريقة التي نحفظ بها المعلومات مثل الأسماء والتتبع المكاني أو الزماني وأرقام الهواتف وأعياد الميلاد والأحداث الشخصية أو التاريخية والأحداث المهمة.
أغلبنا اليوم لا يحفظ او يتذكر اكثر من رقم او أثنان رغم ان هاتفه يحوي عشرات الارقام . ليس ارقام الهواتف فقط هي ما بتنا ننسى، بل بدأنا ندرك أننا لدينا قدرة أقل على الحفظ؟ حتى اننا في كثير من الأحيان ننسى معلومات تعلمناها بالأمس فقط؟ . سائق سيارة الاجرة في لندن كان يمر بدورة لمدة اربع سنوات ليتعلم اقصر الطرق الى شوارع وأزقة المدينة ، اليوم جميع السائقين يعتمدون أجهزة ( GPS) ليستدلوا عليها ..هذا السلوك يسمى (فقدان الذاكرة الرقمي - Digital Amnesia).
في عام 2015 ، عرفت دراسة أجرتها شركة الأمن السيبراني ، Kaspersky Lab ، فقدان الذاكرة الرقمي بأنه (عدم قدرتنا على الاحتفاظ بالمعلومات المهمة نظرا لحقيقة أننا غالبا ما نسجلها على هواتفنا الذكية). بعد 9 سنوات من اصدار هذه الدراسة ، لا يزال تطوير الذكاء الاصطناعي يقودنا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالتكنولوجيا. في حين أن الذكاء الاصطناعي يمكنه الآن تقليد وظائف الدماغ البشري من خلال التعلم العميق ، ونتساءل عما إذا كان الذكاء الاصطناعي في طريقه ليصبح معلم المستقبل ، ألا تجعل تقنياتنا الذكية المتزايدة أدمغتنا أقل كفاءة؟ أليست الشاشات ، التي تلام أحيانا على التسبب في مشاكل التركيز وانخفاض جودة النوم ، مسؤولة أيضا عن فقدان الذاكرة لدينا؟
يبدو أن استخداماتنا الرقمية تتعارض مع أفضل الممارسات لتعزيز ذاكرتنا طويلة المدى. ومع ذلك ، فهي ليست مسألة شيطنة التكنولوجيا الرقمية ولكن على العكس من تعلم كيفية استخدامها على النحو الأمثل.
هذه الظاهرة مشابهة لظاهرة أخرى تم تدارسها والبحث فيها منذ سنوات هي ظاهرة (تأثير غوغول - The Google effect) هي ظاهرة عالمية وصفتها دراسات مختلفة بأنها الميل إلى نسيان تفاصيل المعلومات التي يمكن العثور عليها بسهولة عبر الإنترنت باستخدام محركات البحث على الإنترنت ، أو باستخدام تطبيقات مثل رسم الخرائط المرتبطة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) .
يمكن أيضا اعتبار هذا التأثير تغييرا في المعلومات ومستوى التفاصيل التي يرى الدماغ أنه من المهم الاحتفاظ بها ، وهو تغيير يؤثر على علاقتنا بالواقع ويزيد من اعتمادنا على تكنولوجيا الكمبيوتر. الثقة المفرطة في أجهزة الكمبيوتر ومحركات البحث تقلل من قدرات الذاكرة لدينا.
يثير الاعتماد المتزايد على أجهزة الكمبيوتر أو الإنترنت أو السحابة مخاوف ، على سبيل المثال عندما يمنع معالجة المعلومات واستيعابها.
فيدراسة اجرتها جامعة ستانفورد، بينت ان فكرة (الاعتماد على الكمبيوتر) مرتبط بشكل من أشكال ذاكرة المعاملات ، لأنه في حين أن الناس يجدون المعلومات ويشاركونها بسهولة ، فإنهم ينسون في الغالب ما يعتقدون أنه سيكون متاحا بسهولة لاحقا ، بينما يتذكرون موقع المعلومات بشكل أفضل من المعلومات نفسها. كانت فرضية الدراسة هي أن الناس وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم يميلون إلى أن يصبحوا (أنظمة مترابطة) ، مع عمليات أساسية من شأنها أن تكون مماثلة لتلك الخاصة بالذاكرة التبادلية التقليدية.
في الشبكات الاجتماعية القائمة على العالم الرقمي ، تتيح هذه العمليات معرفة ما يعرفه الكمبيوتر وكيف وأين يمكن العثور عليه. هنا يبدو أن الإنترنت يميل إلى استبدال الذاكرة التي كانت تحتفظ بها المجموعة سابقا ، خاصة في المجتمعات ذات الثقافة الشفهية.
يبدو الناس أقل يقينا من قدرتهم على حفظ المعلومات الموجودة على الإنترنت. ويمكن أن يساعد البحث مؤخرا عن المعلومات والعثور عليها على الإنترنت في تحفيزك على استخدام الإنترنت مرة أخرى.
بعد ذلك ، تساءل العديد من الباحثين عما إذا كان تأثير Google هو حقا شكل من أشكال الذاكرة التفاعلية ، بحجة أنه لا توجد معاملة تحدث بالفعل بين الشخص والكمبيوتر. لذلك لا يمكن تصور شبكات الكمبيوتر والإنترنت كنظام معرفي موزع. على العكس من ذلك ، فإن أجهزة الكمبيوتر ليست سوى أدوات تستخدم للمساعدة في تشغيل الذاكرة أو للبحث بسهولة عن المعلومات. على عكس ذاكرة المعاملات التقليدية ، لا تضيع المعلومات بدون الإنترنت ، ولكن ببساطة أبطأ ويصعب العثور عليها.
حجة عدم وجود معاملة مع الكمبيوتر ، المذكورة أعلاه ، لاتبدو صحيحة منذ ظهور المساعدين الشخصيين أو وكلاء المحادثة مثل ChatGPT الذين يتواصلون مع المستخدم ، بلغة طبيعية.
كان للدراسة ثلاثة استنتاجات رئيسية، وهي ان الناس على استعداد لاستخدام الكمبيوتر عندما تطرح عليهم أسئلة المعرفة العامة ، حتى لو كانوا يعرفون الإجابة الصحيحة. وهذا التأثير واضح بشكل خاص إذا كان السؤال صعبا والإجابة غير معروفة لهم، كما ان الأشخاص ينسون المعلومات بسهولة إذا اعتقدوا أنه يمكن الوصول إليها لاحقا. والتعليمات الصريحة لتذكر المواد في هذه الحالة ليس لها تأثير كبير على حفظ المعلومات، والاستنتاج الثالث ، أذا تم نسخ المعلومات احتياطيا ، فمن المرجح أن يتذكر الناس مكانها بدلا من تذكر المعلومات نفسها. وهم يميلون إلى تذكر الحقيقة أو المكان الذي يتم فيه تخزين المعلومات ، ولكن ليس كليهما ، ويستمر هذا التأثير حتى عندما يتم تذكر المعلومات بسهولة أكبر من اسم المكان.
في كتابه (دماغ الهاتف الذكي) حذر الباحث السويدي أندرس هانسن من أن الهواتف الذكية ، التي هي في أيدي جميع الناس تقريبا اليوم ، يمكن أن يكون لها تأثير مخيف على الدماغ من وجهة نظر علم الأعصاب لأن الدماغ البشري لم يتطور للتكيف بشكل صحيح مع العالم الرقمي.
ويضيف ، بدأت الوتيرة السريعة والضغط المستمر ونمط الحياة الرقمي مع الاتصال المستمر في إحداث عواقب على دماغنا. لأنه بغض النظر عن مدى رغبتك في التحقق من موجز الصور على الأنستغرام او التك توك أو الأخبار على هاتفك المحمول أو الأفلام على الجهاز اللوحي ، فإن عقلك لا يتكيف مع ما يجلبه مجتمع اليوم. إنه ببساطة غير متزامن مع عصرنا!
نحن نعيش في عصر التكنولوجيا المتقدمة. لا يجب أن تعتمد فقط على ذاكرتك الخاصة ، ولا يجب أن تلتزم بالتكنولوجيا فقط. عليك فقط إيجاد توازن بين الاثنين. ليس من المستغرب أن تستمر التكنولوجيا التي تكمل (قدرة الناس على التذكر) وتدير المعلومات في الاندماج في حياتنا اليومية ، ولكن من ناحية أخرى ، ستظهر مخاوف لم تكن موجودة في الماضي.
يثير تنامي الاعتماد على الأجهزة للحفظ حفيظة الكثيرين خاصة بعد تعدي الأمر مجرد الحفظ إلى إشراك المصادر الرقمية في اتخاذ القرارات المتراوحة بين البسيطة كاختيار اللباس والمصيرية التي تحدد مستقبل الأفراد مساهمة في وأد التفكير النقدي تدريجيا بسبب الثقة الزائدة في قرارات مبنية على كم ضخم من البيانات لا يسع الإنسان الإحاطة به والتطور الرهيب لخوارزميات الذكاء الاصطناعي بالغة التعقيد.
تبقى مثل هذه الظواهر جزءا من سجال المتوجسين من التكنولوجيا خشية زحفها على إنسانيتهم والمتحمسين لها باعتبارها مجرد استمرار لما بدأه الأسلاف باستعمال الحجر بدل الأظافر والأسنان، فمر باختراع العجلة توفيرا لجهد العضلات ووصل إلى الثورات الصناعية المتتالية، إلا أن (الثورة الصناعية الرابعة) شكلت منعطفا أكثر حدة حيث راحت الحدود الفاصلة بين الآلي والرقمي والبيولوجي تتلاشى بشكل قد لا يمكن عكسه. من الضروري أن يعي الفرد مدى تأثير التقدم التقني عليه جسمانيا ونفسيا وعلى سلوكه وعواقب ذلك كخطوة أولى لمقاومة الأعراض الجانبية لذلك.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
د. تحسين الشيخلي

كاتب واكاديمي عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه