‎الخَطِيبُ أشكَمُ والسَّامِعُ أبكَمُ

بقلم ‎علي الجنابي أيار 21, 2024 125

‎علي الجنابي

‎(أشكم؛ شَكَمَ حِصانَهُ؛ أي وضعَ الشَّكيمةَ "اللجامَ" في فمِهِ).

‎ولقد أشهبَ خاطري بواحدةٍ فالتهبَ معها التِّبغُ في الغليونَ. أو لعلَّهُ شعورٌ ألهبَ شِعابَ النَّفسِ وجذورَها المدفونَة. ولئن نبتَ شُعورٌ فلن تسألَ النفسُ الشِّعابَ؛ لمَ وعَلامَ يا مجنونة، كلّا ولن تَظنَّ النَّفسُ بشِعابِها الظُّنوناْ، بل تَرعى الشُّعورَ بلمَسَاتِ المُرضعٍ الحنونة، ومِن أنفاسِها سُقياهُ ثُمَّ تحتَ خِمارِها تُحصنُهُ وتَصونَه.

‎ولقد تَمنيتُ كلما رأيتُ خُطبةً في البيتِ العَتيقِ المُعَظَّمِ وديارِهِ المَأمونة، وإنَّما ذلكمُ البيتُ مهوى الأفئدةِ وشطرَهُ تهوي ساجدةً، ولتلالِهِ الدَّمعاتُ تَروي مسكوبةً غيرَ مَحبوسةٍ ولا مَضنونة، وكذا تَمنَّيتُ كلمَّا رأيتُ خُطباً في مساجد أمةِ توحيدٍ بحُرمة الحَرمينِ مَقرونة، وكذلكَ خُطباً من أدباءَ عربٍ في أرجائها بقبعاتِهم يتجوَّلونِ ويتفتَّلون، وكلّاً نراهُمُ لخطَبِهمُ يُلقونَها بقراءةٍ من وريقةٍ كملفوفةِ "قرنبيطَ" بين أكفِّهم مَسجونة. فأتمنَّى ساعتئذٍ رؤيةَ خطيباً مُفوَّهاً ببلاغةٍ سَهلةٍ رَصينة، وفصَاحة صَهلةٍ حَصينةٍ مزيونة، ووَددتُ ألا يقرأ من الوُريقاتِ عباراتٍ دوّارةٍ مُجتَرَّةٍ مَطحُونة، ومَثَلُه في ذلكَ كمَثلِ بَبَغاوتٍ بالذي سَمعوا يصدَحونَ ويُردِّدونَ.

‎ألا ليتَ أولاءِ الخُطَّاب حَفِظوا ما كَتبوا من مَتنٍ عددُ سُطورِهِ عشرونَ أو ثلاثونَ أو أربعون، ثم على المَسامع ارتجالاً وبتَفاعلٍ منَ الوجهِ لسُطرِهم يَعصفونَ، كي يَحفَظوا للمنابَرِ هيبَتَها التي لم تَعدْ فيها مَسكونة، ولكيلا يكونوا كمَثلِ تلامِذةٍ بنشيد الصَّباح حَناجرُهم مَحقونة، وذلكَ هو أضعفُ الإيمان في أمَّةٍ قد جَفَّ جُبُّها من فُنونِ البنانِ ومتُونِه، وخَفَّ لُبُّها من عُيونِ البيانِ وجُفونِهِ. فنحنُ قد سَئمنا خُطباءَ وكتَّاباً وأدباءَ لا يَعونَ ما يَنطِقونَ، ومِن وريقةِ القرنبيطَ وعظِهمُ (المُقرنطِ) يَقرأونَ، وأضحينَا مؤمنينَ لا يلتَئِمونَ إلّا إذا هُمُ بينَ يدي الخطيبِ نَائِمونَ.

‎عجبي! وألا لعنةُ اللهِ على فرعونَ وليسَ على قارونَ! أحقَّاً عَجزت منابرُ أمةِ المليارينِ بفقهائِها من أولي الذُّقون، وبِجامِعاتٍ إسلاميةٍ ولغويةٍ أدبيةٍ مُتَكدِّسةٍ ومأذونة، أن تلدَ خطيباً مُفَوَّهاً ولمعاني البيانِ أن يَصُون. ولا تَثريبَ على ذرفِهِ أن يكونَ بمُداهنةِ الزَّعيمِ حروفُهُ مَدهونة. أوَحقَّاً عجزت عن ولادةٍ مثلُما ولدَت أرحامُ الجاهليةِ امرَأَ القيس بحُروفٍ مُقَدَّرةٍ ومَوزونة، وكما ولدَت أعلامُ الإسلامِ ثابتَ بن قيس بكلماتهِ المَيمونة، ثمَّ سليلَهمُ العَباسيِّ الرَّشيدِ الأشمِّ هارونَ. أولم ترَ كيفَ بالأمس الأعشى قيس قد انفلقَ فانطلقَ فَنطقَ:
‎وَقَدْ أقُودُ الصّبَى يَوْماً فيَتْبَعُني * وقدْ يصاحبني ذو الشَّرةِ الغزلُ
‎وَقَدْ غَدَوْتُ إِلَى الحَانُوتِ يَتْبَعُنِي * شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ.

‎وَاليَومَ نرى (الاتحادَ العام للأدباءِ والكتَّابِ في العراقِ) قَدِ انفلقَ فانطلقَ فنطقَ في ندوةٍ تعابيرُها مرهونة [بتناصٍ إمتصاصي وإنزياحٍ إنزياحي]، ويدعو الى [عدم اعتماد انزياح الانزياح وتغليبه على الانزياح نفسه]، ويرصدُ "قصيدةِ الهايكو وتحولاتها في الأدب العربي" البئيسٍ في متونِه، ذاك "أنَّ الإبستمولوجيا لا تسبر سبلَ سيكولوجيةِ سعفَ الأنثروبولوجيا" وعرجونه.

‎عجبٌ على عجبٍ ومثليَ معجبٌ بظنونِه! فأَيْنَ بِالأمْسِ كُنَّا، وَاليَوْمَ كَيْفَ بِنَّا، وغداً كيفَ الهونُ سيبون. وعجبٌ مِن أمَّةٍ هجرَت بواديها، وبانَت أعجَميةً غيرَ مُحصنةٍ ولا مصونة، ورؤوسها في جَهلِها كنعاماتٍ في ترابِ الغابِ مَدفونة، وأهلُها لَاهِيَةٌ قُلُوبُهُمْ بتغزّلٍ في "ماسنجرَ الآيفونَ"، ولا يَتداولون في "واتسابِهم" إلّا قولَ "سارتر"، وبقيل سبينوزا الحنون يتفاخرونَ، ثمَّ تراهمُ بابتهاجٍ يتسامرونَ: أشَطيرةُ "الهامبرغرَ بالكتشبِ" تكونُ معجونة، هي أشهى يا صاحبَاً قد أُوتيَ علمُ الموائدَ والصُّحونَ، أم "شاورمةَ" دجاجٍ "بالمايونيزَ" مَدهونة؟ فيردُّ عليهِ صَنَّاجةُ العَربِ في علومِ رَنَّاتِ الصُّحونِ، بشُجونٍ وبشُموخٍ خرجَ صداهُ من قبَّةِ "كبةِ السراي الشهيرةِ" الميمونة، ووصلَ حتى مدارَ الكوكبِ نبتونَ: بلِ الشاورمةُ يا صاحُ على أن تكونَ "بالسِّفنَ آبٍ" مقرونة، ثمَّ يكونُ ردفَ الشَّاورمةَ كوبٌ ساخنٌ من شايِّ "لبتونَ"، وثَمَّ كأسٌ منَ عصيرِ (أورنج) ولا بأسَ في أباريقَ من ليمون.

‎إفٍّ لهم، ولِمَا اشتَهت أنفسُهم، ولمَا يَشتهونَ، ولمَا سوفَ يشتهونَ! أفٍّ، ولا عجبَ ألّا ينبَعثَ منهم "امرؤ القيس ولا الأعشى قيس ولا ثابتُ بن قيس" تعابيرهُم بالفصاحةِ ميمونة. فهولاءِ لا يَفقهونَ أنَّ آيةَ {يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) بها الكافرونَ وحَسْب مَوصوفونَ. ويا لخَطْبٍ جَللٍ سقطوا فيهِ همُ يَعلمونَه. خَطْبِ خُطَبٍ يأنَفُ مَجاجَتها وسذاجتَها الفتى اللبون، أفٍّ لهم ولما ضَيَّعوا من لسانِ ذكرٍ حكيمٍ فيهِ ذِكرُهم وعنهُ سوفَ يُسألون. و﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. وهيهاتَ هيهاتَ أن يأتيَ الزمانُ بالأعشى أو بمثلِهِ أن يكونَ.

‎لا رَيْبَ أنَّ مِرآةَ كلِّ أمّةٍ بَيانُها، فإنْ كَانَ بَيانُهَا فحلاً تَراهَا تَحْظَى بِصَهلةِ بَيانٍ بَينَ القِمَم مزيونة، وَإنْ كانَ تِبيانُها ضحلاً، تَراهَا تَرضَى بِوَحلةٍ بَينَ الأمَم مدفونة. فهلّا لمنابر الأخلافِ أن تَحظى بنَهلٍ من صهلِ الأسلافِ، أم الأمرُ هو: "نَحَنُ بِمَا عندَنا وأنتَ بما * عنَدكَ رَاضٍ والرأيُ مُختلفُ" يا أبا نونة، وإنَّما لكلٍّ من الفريقينِ آدابُهُ وفنونُهُ، فسَلامٌ في سلامٍ عليك يا ضبَّاً في البوادي حروفُهُ مدفونة.

‎ما كانَ ذلكَ الأفُّ منّي إلّا شُعوراً في شِعابِ النَّفسِ آهاتُهُ مَخزونة، قد خَطَطتُ بهِ الحَرفَ على عَجَلٍ في وَمضَةِ ذَرفٍ جَلَل من لمضَةِ ظَرفٍ كئيبةٍ مَركونة. ولا عَتَبَ على حَرفٍ قد خُطَّ في عَجلٍ فأطَّ في وَجلٍ تحت ظلالِ لحظةٍ كئيبةِ الهُرمونَ. وَكاذبٌ مَنْ أشاعَ أنَّ (العَتَبَ للقُلوبِ "صابونة").

قيم الموضوع
(1 تصويت)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه