رماد الفجيعتين

بقلم أحمد صبري حزيران/يونيو 10, 2024 56

رماد الفجيعتين

أحمد صبري

من رماد الفجيعة أوَّل ديوان للرَّاحل الشَّاعر سامي مهدي إلى فجيعة غزو العراق واحتلاله، عاش في ظلِّ رماد الفجيعتَيْنِ وما بَيْنَهما رافعًا هموم بلده لم يتخلَّ عن دَوْره شاعرًا ومناضلًا واجَه عاديَّات الزمن بصلابةٍ وصمود استحقَّ الإشادة بهذا الدَّوْر.
ففجيعة الوطن لا يضاهيها وصفٌ آخر إلَّا عندما يُعَبِّر عَنْها الراحل سامي مهدي في دواوين شِعره منذ جيل الستينيَّات بصحبةِ روَّاد أغنوا المكتبة الشعريَّة والثقافيَّة، كان الراحل في صدارة المشهد الثقافي تاركًا بصمةً على مسار الشِّعر العراقي.
وعندما يصفه رفيق دربه الشَّاعر حميد سعيد بأنَّه عصيٌّ على الغياب شاعرًا وإنسانًا؛ لأنَّه حاضر في معمعان الفواجع، رافعًا راية الدِّفاع عن الوطن، مستلهمًا من خزين موروثه الوطني والشِّعري الَّذي اتَّسم بالجَمال والإحساس ونبض الحياة الشعريَّة.
وحسنًا فعلَت عقيلة الراحل سامي مهدي ـ الزميلة ثبات نايف بتدوين ما كُتب عَنْه بعد رحيله في كتاب صدر في بغداد مؤخرًا تضمَّن شهادات من رفاق دربه على مدى مشواره الشِّعري وهم شخصيَّات سياسيَّة وفكريَّة وثقافيَّة عراقيَّة وعربيَّة.
ومن بَيْنِ عشرات الشَّهادات الَّتي وثَّقت مَسيرة حياة الشَّاعر سامي مهدي، شهادة الباحث والمؤرِّخ إبراهيم العلاف الَّذي وصفَه بأنَّه «سياسي عروبي قومي وطني عراقي لم يغادر بغداد». وينقل العلاف عن سامي مهدي القول «لمَن أترك بغداد؟». وكما هو في حياته رحلَ بهدوء تاركًا تاريخًا يفخر به على مدى عمره لغايةِ رحيله عام 2012م. وقامة شعريَّة بمِثل سامي مهدي ودَوْره في الحياة الثقافيَّة وحتَّى السياسيَّة جديرة بهذه الشَّهادات من جيله ما يستحقُّ من إبراز دَوْره الوطني والشِّعري.
وقبل رحيله بعامٍ، زار الشَّاعر سامي مهدي العاصمة الأردنيَّة (عمَّان) بصحبةِ زوجته المحترمة والتقاه محبُّوه في مقهى الفوانيس، وكنتُ من بَيْنِ من التقاهم، فوجدناهُ ثابتًا على موقفه، ويرنو لبغدادَ مزدهرةً وبهيَّة بعد أن تتخلصَ من رماد الفواجع.
وظلَّت قصيدة الرَّاحل سامي مهدي وفيَّة لوجدها الصوفي في الولاء للشِّعر عبارةً ومعنى ومبنى، كما في شهادة الشَّاعر المغربي أمجد ناصر حسون الَّذي يقول فيها: يكاد سامي مهدي مع الشَّاعر حميد سعيد يقودان قاطرة التجديد الَّتي ترتقي أن تكُونَ مدرسة تحتذى ولا تضاهى. ويضيف: أقعدت الراحل غربتان؛ غربة الوطن وهو بَيْنَ يدَيْه يراه يحتضر، ووجع المرَض وقد شلَّ مداركه فغابت صحوة الشِّعر وهو في غيابِه العميق، إلَّا أنَّه الحاضر الغائب أبدًا.
وكشفت الشَّهادات، الَّتي دوِّنت في هذا الكتاب عن مَسيرة رجُل وقامة شعريَّة بحجمِ سامي مهدي، الجانب الإنساني النبيل الَّذي يميِّز وترسم صورته كرجُل صدوق وصريح وعفيف ومبدئي جسَّدت مَسيرته. وكان الرَّاحل أراد أن يكتبَ بنَفْسه سِيرته في كتابه (شاعر في حياة) ولكنَّ هذه المرَّة تكتبه أقلام مَن عاشروه.
وهذا الكتاب وما احتواه من شهادات وفاء وعرفان لشاعر كرَّس منجزه الشِّعري على مدى عمره فتحوَّل الشَّاعر الرَّاحل سامي مهدي إلى نجمٍ ساطع لا ينطفئ في سماء الوطن مهما كان رماد الفواجع يحاول حجب وهج المتحقِّق في مشواره.

كاتب عراقي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه