في ظاهر التاريخ وباطنه

بقلم غزاي درع الطائي حزيران/يونيو 11, 2024 38

في ظاهر التاريخ وباطنه

غزاي درع الطائي

يرى العالم الموسوعي محمد فريد وجدي في مؤلَّفه (دائرة معارف القرن العشرين) أن التاريخ (هو محل العبر ومثار العظات ومصدر العلم والسنن الإلهية في تكوين الأمم وحءلها وإصعادها وإهباطها)، فيما يرى ابن خلدون في (مقدمته) (أن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى…وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها)، والتاريخ في كل الأحوال يتعلق بالماضي وأحداثه ووقائعه، بما يضمه من مرويات ووثاق وأخبار وتفسيرات وتحليلات، ودراسة كل ذلك من جهتين: جهة البحث والاستقصاء في القواعد والأسس، وجهة النقد والتحقيق، مع الانتباه إلى ما يمكن أن يشوب الكتابات التاريخية من دس وتزييف وتناقض ونقص في المعلومات وقلة في الوثائق، وإلى الشبهات والأباطيل والروايات الموضوعة والافتراءات، وهنا يبرز سؤال مهم هو: هل يحق لنا أن نتَّخذ من الماضي وأحداثه مقياسا للحاضر، وأن نبني عليه أحكاما جديدة، بمعنى هل علينا أن نعيد كتابة التاريخ على وفق ما نراه اليوم وننكر ما كان من واقع تاريخي كانت له ظروفه واشتراطاته؟.ويفرِّق العلماء والباحثون المتخصِّصون ما بين التاريخ وفلسفة التاريخ، فالتاريخ هو البحث في الوقائع التاريخية المحددة زمانا ومكانا، هو الماضي والذاكرة والصندوق الذي يضم الوقائع والأحداث، أما فلسفة التاريخ فتتسم بصفتين أساسيتان هما الكلية والتعليل، أما الكلية فهي البحث في التاريخ الإنساني كله، وأما التعليل فهو البحث في الأسس التي تستند إليها حركة التاريخ، والبحث عن القانون الذي يحكم تطور التاريخ ويصف حركته، والتاريخ ليس صفحات مطوية أو محروقة، بل هو ملفات تحت اليد، ووثائق ومستندات، نعيد قراءتها للإفادة منها في حاضرنا، واستشراف مستقبلنا، ومن المشكلات المتكررة هي موضوعة إعادة كتابة التاريخ، فهذه الموضوعة تخضع لمؤثرات عديدة، من أهمها الدوافع التي تقف خلف هذه الإعادة، والانتماءات والروابط التي تشد القائمين على إعادة كتابة التاريخ، والمصالح المقصودة من هذه الإعادة، وهكذا لا يمكن غض النظر عن طبيعة النوايا التي تتخفى خلف ستائر براقة، ولكن في كل الأحوال يمكن إثارة موضوعة إعادة كتابة التاريخ في حالة ظهور وثاق مؤكدة جديدة، أو تقديم قراءة جديدة وكاملة لما تمت قراءته بشكل يبعث على الريبة تحقيقا لغايات خبيثة، مع ضرورة إبعاد صفحات التاريخ التي تثير الشكوك والريبة وتطعن في الثوابت وتبث الكراهية والتفرقة. إن من حقنا أن نقلِّب صفحات التاريخ ونمعن النظر فيها لنتَّخذ من وقائعها دروسا حية في واقعنا الجديد المختلف كليا عما كان، ولكن هل يحق لنا أن نتدخل بتلك الأحداث ونتداخل معها وكأنها أحداث جارية في زمننا وليست قطعة من التاريخ الذي تشكَّل بتلك الحدود المعروفة من الزمان والمكان، يقول المولى جلَّ وعلا في كتابه العزيز: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) البقرة ـــ 134، وتكرَّرت الآية نفسها في السورة نفسها في الآية المباركة 141.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه