الكهرباء وهوية النظام السياسي

بقلم الكاتب حمزة مصطفى حزيران/يونيو 12, 2024 77

الكهرباء وهوية النظام السياسي

الكاتب حمزة مصطفى

في العراق وبعد عام 2003 الجميع يعترف ويقر بوجود أزمات لاتزال دون حل حقيقي وخارج قدرات أية حكومة. الأزمة الأولى هي أزمة شكل النظام السياسي والثانية هويته والثالثة الكهرباء. والأخيرة هي إحدى أهم متلازمات نجاح النظام السياسي أو فشله سواء لجهة مايمكن عده مسارا صحيحا أو إستغلاله وإستثماره بطريقة ممنهجة لمن يريد ذلك. الأزمة الأولى وإن كان نظامنا برلماني يعتمد التبادل السلمي للسلطة مثل أي تجربة ديمقراطية ناضجة في العالم أو حتى «نص ستاو» فإن مامررنا به من أزمات سياسية منذ أول انتخابات برلمانية عام 2005 أنتجت أول حكومة منتخبة عبر صناديق الإقتراع جعلت من عملية تبادل السلطة سلميا مجرد واجهة شكلية لعملية فرض تحت وطأة التوافقات مرة والمساومات مرة والسلاح مرة. تشكلت حكومات وسقطت حكومات, فازت كتل وقوائم وسقطت كتل وقوائم ولم يلتفت أحد عند تِشكيل الحكومة وإختيار رئيس الوزراء لمثل هذه المعادلات, بل تحكمت في الأمر معادلات أخرى مختلفة الى حد كبير.
الأزمة الثانية هي هوية النظام السياسي الذي هو المقدمة الأساسية لبناء الدولة. وبما إنه بعد سقوط النظام السابق عام 2003 على يد الاحتلال الأميركي فقد إكتفى البديل السياسي منذ أول يوم سقوط النظام الى اليوم بالهجوم على النظام وسياساته وما أدت اليه من نتائج كارثية على العراق والمنطقة. ومع أن هذا المنطق صحيح لكن النظام الجديد البديل لم يعمل شيء على صعيد هوية النظام مكتفيا فقط بتغيير شكل النظام من دكتاتوري الى ديمقراطي. ديمقراطية النظام الجديد إكتفت بصناديق الإقتراع التي كثيرا ما يشوبها تبادل أقذع التهم بالتزويرولم يخطو خطوة واحدة جادة على صعيد هوية النظام السياسي. ففي الوقت الذي كان يفترض الإنتقال من القطاع العام (الإشتراكي) الى إقتصاد السوق (الرأسمالي) فإن المحصلة هي إضاعة المشيتين كما يقال. لا النظام الجديد بقي شموليا على وجه ولا راسماليا على وجه.
وهنا برزت لدى الجميع بمن في ذلك النخب الفكرية والسياسية والأكاديمية ما نسميه الخلل البنيوي في أصل النظام السياسي. هذه الأزمة التي لم تجد حلا جذريا لأن جميع الحلول ترقيعية تمثلت بشكل واضح على صعيد الخدمات وفي المقدمة منها الكهرباء. فهذه الخدمة أساسية ولايمكن الإستغناء عنها على الإطلاق. غير أن هذه الخدمة في النظم الرأسمالية هي عبارة عن سلعة تباع وتشترى دون «منة» او «مكرمة» مثلما هي في النظم الإشتركية. ولأننا في العراق كما يفترض نعتمد ولو شكلا نظام السوق فإنه يتوجب على الدولة التعامل مع هذه الخدمة من هذه الزاوية بدءا من الجباية الى الإستهلاك الى كل مايتعلق بسياق العلاقة بين المواطن والكهرباء وبينهما الدولة التي هي ليست أكثر من منسق أو موزع خدمة يتقاضى عليها ثمنا يدفعه المواطن حسب قدرته وليس بالضرورة حاجته.
لكننا وبسبب الخلل البنيوي في شكل النظام وهويته فإن الطبقة السياسية التي تعتمد على نوع من العلاقة الزبائنية مع الجمهور وجدت فرصتها في النيل من أية حكومة لديها خلاف معها أو لاتعمل على «مرامها» من خلا اللعب على وتر الكهرباء لاسيما خلال أشهر الصيف الساخنة في العراق أصلا. ففي الوقت الذي فشلت كل الطبقة السياسية العراقية في حل أزمة الكهرباء لأنها فشلت في حل هوية النظام السياسي فإنها مستعدة لإستخدام هذه الورقة ضد أية حكومة أو أي رئيس وزراء بصرف النظر عما يحققه من نجاحات على أصعدة مختلفة وفي مجالات مختلفة سياسية وإقتصادية وخدمية طالما أن هناك فتنة صيفية نائمة يجري إيقاظها حسب الطلب والحاجة. لكن ليس طلبات الناس وحاجتهم بل طلبات القوى السياسية المناوئة وحاجاتها هي.
المصدر : صحيفة الزوراء

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه