شكراّ لأستاذي التسعيني

بقلم زيد الحلي حزيران/يونيو 23, 2024 61

شكراّ لأستاذي التسعيني

زيد الحلي

التقيتُ في اليوم الثاني لعيد الاضحى بمن علمني هندسة العبارة، وكسر حواجز قلمي ، ومدني بقوة الارادة للسباحة في عالم الكلمة … الانسان الذي اعرف انه يرفض الاشارة الى اسمه ، وقد قارب عمره البهي تسعين عاما .. في هذا اللقاء السريع ، قطف ابتسامة امام احفاده ، وطبعها على أحزاني ، وهي احزان ليست شخصية ، بل عامة .

لقد تسابقت كلماته التي خرجت واهنة ، ناثرة مودة ، فقدها زمن ناكري الجميل في حياتنا ، معانقة الوجدان ، اعادت ذكراها الى سنوات ألق هذا الانسان الكبير في شبابه التي كنتُ اراها بغبطة وفرح ، وهو يرى بستان الفرح في عيون من يرعاهم ..

وجدتُ نفسي ، فرحا وانا اشير الى انسانية هذا الرجل ، وفرحه بلقاء من يراه من تلامذته ومحبيه ، وهو بهذه السن واقارنها ، بما يجري حاليا في الاعياد والمناسبات ، حتى مع الاسرة الواحدة ، حيث باتت رسائل (الموبايل) التي تتضمن صور وكلمات التهاني ، هي سيدة الموقف، في ميزان المجتمع، وهي حالة تدعو الى وقفة تأمل، كونها حالة طارئة على مجتمعنا الذي عُرف بتماسكه واصالته ، وهذا التماسك يفتح الباب نحو الارتقاء في منظومات التعامل الانساني، مستوعبا المتغيرات المتلاحقة في كل المستويات وفي جميع المجالات، لاسيما في الحالات التي يعيشها مجتمعنا حاليا.

ومع فرحي بلقاء استاذي ، وما شهدت منه من حميمية ، طاف على ذاكرتي ، قول احد الزملاء وهو يحدثني بأسى ، ان شقيقه الاصغر، وهو مهندس، وموظف، لم يبادر الى زيارته منذ اكثر من خمس سنوات، بذريعة مشاغل (الحياة) وان اولاد هذا الاخ ، لم يلتقوا اولاد عمامهم وعماتهم … ما هذا الجفاء ؟ تساءل زميلي ، والوجوم، خيم على وجهه، وحين طلبت منه ان يبادر هو بالزيارة لكسر حاجز الجفاء، قال انه حاول اكثر من مرة، غير ان شقيقه يخبره ان دوامه طويل، ولا مجال عنده لتبادل الزيارات .

وانا اشير الى الحالين ، حال استاذي التسعيني ، وحال زميلي المتألم بشأن الجفاف العائلي الذي اصاب مجتمعنا مع الاسف ، اقول ، ان الحب والبغض من طبيعة الإنسان ومن صفاته المتأصلة الملازمة لا مفر منهما، ولا عاصم ، ولم يخل إنسان من حب أو بغض ، ولن يتجرد مخلوق من الميل والتأثر، لكن في المناسبات الاجتماعية، يمكن ازالة اية حالة من حالات، التوتر النفسي التي احدثتها ظروف المجتمع، وهي معروفة لنا .. لقد لاحظتُ، ان الكثيرين، استسهلوا امر التواصل المطلوب ، فاستعانوا بوسائل التواصل الاجتماعي ، بدل ان ينثروا ورود المحبة من خلال تبادل الزيارات ، فتلك الزيارات تعزز من محبة الاسر، وخصوصا صغار السن، فمن المعيب، ان لا يعرف ابن العم، ابن عمه، بسبب انقطاع الزيارات، والاكتفاء برسائل نصية، لا تغني او تسمن من جوع .. هل يعرف البعض، النتائج السيئة لهذه الممارسات، وعواقبها على الصعيد المستقبلي للأسر التي تربطها، علاقات اخوة او مصاهرة او صداقة عمر؟

لقد مضى عيد الاضحى المبارك ، وامامنا مناسبات آتية ، فهل تنقلب المعادلة وتعود الى واقعها المرجو ؟ آمل ذلك .. مع مودتي ، لأستاذي الذي فتح نافذة لكتابتي هذه السطور ، وامتناني لمن زارني في بيتي من اخوتي واخواتي وابناءهم ، وبناتي وازواجهم واحفادهم ، وشكري للعزيزة «رنا» ابنة اخي عائد التي حملت لي باقة ورد بالعيد .. لقد زرع الجميع فيّ بذور فرح وطمأنينة ، ستبقى عالقة ما حييت .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه