الحرية تكمن في الموسيقى وحدها!

الحرية تكمن في الموسيقى وحدها!

الموسيقى أداة موحدة بين شعوب الأرض وعلى مر التاريخ، من دون أن تكسر أشد الحروب ضراوة تأثير الموسيقى والغناء على الروح البشرية.

شيبنيم توفوزلو صوت آذري ساحر
وقف الموسيقار ميشائيل بارتوش قائد الأوركسترا السيمفونية السويدية، مبهورا وهو يشارك المايسترو علاء مجيد البروفات على لحن رائعة الفنان العراقي أحمد الخليل “بين دمعة وابتسامة” التي قدمتها فرقة “طيور دجلة”، وتساءل بشيء من الحيرة والذهول “هل حقا أنت متأكد أن هذه الموسيقى عراقية صرفة؟” أجاب علاء بثقة مفرطة بالتأكيد، وتعود إلى خمسينات القرن الماضي.

لم يجد لحظتها الموسيقار السويدي بارتوش، غير تساؤل عصي على الإجابة، عن شعب ينتج هذه التعبيرية العميقة في الموسيقى، لكنه في الوقت نفسه يتقاتل!

ذلك يفسر لنا الحرية الكامنة في الموسيقى، التي لا يمكن أن نجدها بأي إبداع آخر موحد لكل شعوب العالم. فالفرقة السيمفونية السويدية، شاركت في العزف مع أغنية عراقية بولع قل نظيره، من دون أن يفهم العازفون معنى كلمات الأغنية، وهذا سبب يجعلنا نقدر قيمة الموسيقى بوصفها الأداة الموحدة بين شعوب الأرض وعلى مر التاريخ، من دون أن تكسر أشد الحروب ضراوة تأثير الموسيقى والغناء على الروح البشرية.

ذلك ما تجسد عندي أيضا وأنا أستمع مصادفة إلى صوت باهر ولحن عميق، في أغنية لم أفهم من لغتها غير الأحاسيس العميقة الكامنة فيها.

كانت أغنية المطربة الآذرية شيبنيم توفوزلو، “لقد حل الشتاء على عمري بعدك يا أمي” درسا فائق التعبيرية عن العبارة التأريخية السائدة بأن الموسيقى لغة الشعوب.

كان عليّ أن أبحث عن ترجمة نص واسم شاعرها وملحنها، ولسوء الحظ لم أجد بعدُ شاعر وملحن الأغنية، بيد أنها بقيت ترنيمة ساحرة تعبّر عن معنى شرف الأغنية عندما تدخل إلى المهج من دون أن يكون حاجز اللغة مصدا.

وسيكتشف المستمع العربي والمتخصص بالموسيقى أيضا، وإن كانا لا يفهمان النص المغنى، كيف أن البناء اللحني على بساطته في أغنية “لقد حل الشتاء على عمري بعدك يا أمي” الآذرية جعل منها درسا لحنيا.

لم تمنع بساطة البناء اللحني من عذوبة الأغنية التي بنيت على مقام الكرد، وقد يوحي ضغط العازف المبالغ فيه على آلة الكمان بأنها أقرب إلى مقام البيات، لكنها ليست كذلك، بني اللحن على إيقاع ثنائي من فصيله إيقاع الجيرك الغربي وبسرعة بطيئة.

تبدأ الأغنية بمقدمة موسيقية مأخوذة من لحن المذهب “مقدمة لحن الأغنية” وبدأت المغنية شيبنيم ذات الصوت الساحر والإحساس العميق، وحسب ما قرر الملحن كما يبدو، أن تغني من قرار المقام في غناء المذهب وبعدها مباشرة تقفز لتغني باقي المقاطع من الجواب وبأداء باهر وبشجن ليس له غير طريق القلب مباشرة.

بقي اللحن للأسف يتكرر إلى نهاية الأغنية من دون انتقالات موسيقية. ربما وقع الملحن تحت وطأة الوجع الكامن في النص عن فقدان الأم والمناجاة المستمرة لها! مع أنه كان ينبغي عليه أن يتفرع في الكوبليهات لأنغام وانتقالات أخرى كون المطربة شيبنيم تمتلك قدرة صوتية مذهلة وجوابا رائعا ومؤثرا وقرار صوتها من الجمال بمكان ما يجعله يحلق ساحرا بالقلوب.

ليتخيل المستمع العربي كيف تسنى لي أن أحلل هذه الأغنية من دون أن أفهم كلامها بالأساس، وكأن في ذلك إجابة قاطعة على حقيقة أن الموسيقى وحدها مصدر الحرية للشعوب بغض النظر عن اختلاف اللغات.

احتلت هذه الأغنية مكانة متقدمة في ذائقتي السمعية ودفعتني إلى الكتابة عنها، وهذا طريق يقود إلى جمال اللحن والصوت المتمكن للمغنية الآذرية شيبنيم توفوزلو.

في النهاية تبدو هذه الأغنية بمثابة دعوة إلى استعادة روح الأغنية المختطفة بذريعة المتاجرة بها من أجل الانتشار، مثلما هي دعوة أخرى إلى مساعدتي بمعرفة شاعر وملحن أغنية “لقد حل الشتاء على عمري بعدك يا أمي” على الأقل ممن يتقن اللغة الآذرية.

كرم نعمة
كاتب عراقي مقيم في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه