إقالة وزير الأوقاف التونسي لتلطيف الحرارة

بقلم مختار الدبابي حزيران/يونيو 24, 2024 57

إقالة وزير الأوقاف التونسي لتلطيف الحرارة

إقالة وزير الأوقاف التونسي لن تحل مشكلة الحج في المستقبل، لأن المشكلة أبعد من مسؤولية تونس وتحتاج إلى تحقيق موضوعي لمعرفة تفاصيلها وكيفية تلافيها أو الحد منها.

من نلوم.. المنظمين أم الاحترار المناخي؟
دفع وزير الأوقاف التونسي، أو ما يطلق عليه في تونس وزير الشؤون الدينية، إبراهيم الشايبي ضريبة الحج. عادت البعثة من هناك وتمت إقالته مباشرة. الخطوة لاقت حفاوة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وهذه عادة تونسية عريقة تقوم على الشماتة في أي شخص يكون في الواجهة ثم تتم إقالته إن كان في السلطة، أو يخسر أعماله أو يفقد وظيفته، ولو كان نادلا في مقهى، أو يسقط في انتخابات البرلمان أو المجالس الجهوية، أو انتخابات نقابية على شركة فيها عشرة عمال.

السلطة اختارت الأسلم. أقالت الشايبي لتتخلص من وجع الرأس وتحصر مشكلة الحج في سوء التدبير من الوزير ووزارته ومرافقيه في البعثة الذين كانوا بالعشرات. كانت خطوة لتلطيف الحرارة في الشارع الغاضب مع أن حرارة مكة والقرى المحيطة بها التي كانت وراء هذه الوفيات أولى بهذا التلطيف.

ودولة الفيسبوك العميقة التي تدير تونس بالنقر من وراء الهواتف الذكية (وصف من باب تأكيد الذم بمفردة تفيد المدح) يعمها الفرح لأنها أطاحت بالوزير لمعركة ليست لها علاقة بالحج، بل هو فصل صغير منها.

◄ السعودية ستتولى تقييم ما جرى في موسم الحج الحالي وستعمل على سد ثغرة المخالفين الذين كانوا بأعداد كبيرة أربكت الحج بشكل لافت، وقد يكون من إجراءاتها التشدد في رحلات العمرة بعد رمضان

لدى الوزير معارك شخصية مع الإعلام والإعلاميين، وهو لم يكن يتقن الاستماع ولا الحوار ويلجأ مباشرة إلى القضاء لجرجرة الخصوم أمام المحاكم. وكان يفعل ذلك من باب أنه ابن السلطة الجديدة التي تأسست بعد 25 يوليو 2021، وكان يخاطب الخصوم من فوق وليس بلين ورفق، بمن في ذلك من يعملون تحت إمرته من أئمة وعاملين في المساجد، معتقدا أن منصبه يحميه إلى ما لا نهاية.

هذا خطأ قاتل يفسر وجها من وجوه الشماتة في الوزير، لكنه ليس التفسير الوحيد. تعيين الوزير منذ البداية لم يكن يعجب أحدا، فلا هو إسلامي ولا هو محسوب على اليسار أو الوسط، وكل ينظر إليه بريبة لأنه وزير لا يبدو عليه الشيب ويلبس الجبة التونسية بألوان زاهية بدل الألوان الداكنة التي كانت تشير في أزمنة سابقة إلى رجاحة العقل والموقف والوظيفة الوازنة.

وزير بلا لحية ويهتم بتسريحة شعره ويأخذ صور السيلفي في طائرة الحج، ويضحك مع من حوله، هل يكون وزيرا على وزارة ينظر إليها الناس على أنها وزارة لأئمة متجهمين لا يفكرون سوى في الموت وعذاب القبر والجنة والنار.

الوزير كسر نمطية الدين التقليدي، وهذا سبب آخر لـ“الغيرة” من وجوده لدى طيف واسع من نشطاء مواقع التواصل. أما خلاف الإسلاميين مع وجوده على رأس الوزارة، فكان في إدارة الوزير وفي قائمة من يصطفيهم إلى صفه في وزارة مثلت ولا تزال تمثل مركز ثقل لأئمة محسوبين على حركة النهضة الإسلامية من خريجي جامعة الزيتونة.

لكن إقالة الوزير لن تحل مشكلة الحج في المستقبل، لأن المشكلة أعمق من ذلك وتحتاج إلى تحقيق موضوعي لمعرفة تفاصيلها وكيفية تلافيها أو الحد منها.

المعضلة الأولى التي لا يريد الناس الاعتراف بها وقراءة حسابها هي ارتفاع درجات الحرارة بسبب التغيرات المناخية الكونية، وأي متابع فاهم لهذه التغيرات كان سيتوقع أن تحصل وفيات كثيرة في الحج، والسعوديون أنفسهم كانوا يعرفون هذا، وربما يتخذون إجراءات وقائية أكثر حزما في المستقبل.

وهذا المعطى الأساسي أشار إليه مسؤول سعودي في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية حين عزا أسباب سقوط الضحايا الذين تجاوز عددهم الألف حاج إلى “ظروف جوية صعبة ودرجة حرارة قاسية للغاية”، وإن كان برّأ بلاده من التقصير وحمّل الحجاج مسؤولية ما جرى لهم لأنهم “لم يقدّروا المخاطر التي سوف تحدث لهم”، وهو كلام فضفاض لأن من كان يفترض أن يقدّر سوء العواقب هو الدولة المستضيفة المكلفة بالتنظيم، وهي من تستعد لذلك بوضع ضوابط صارمة وتفرض على الناس اتّباعها ولو قسرا حماية لهم من الإجهاد الحراري وضربات الشمس.

◄ دولة الفيسبوك العميقة التي تدير تونس بالنقر من وراء الهواتف الذكية، يعمها الفرح لأنها أطاحت بالوزير لمعركة ليست لها علاقة بالحج، بل هو فصل صغير منها

هل كانت تونس لتقدر على الحد من عدد موتاها في الحج هذه السنة بسبب الحرارة؟ بأدواتها الحالية هي لا تقدر على تغيير أي شيء. والحل الممكن هو أن تقلّص أعداد كبار السن الذين يذهبون إلى الحج وتقلب الآية تماما في تركيبة حجّاجها بأن تعطي الأولوية لمن دون الستين وأن تشترط على من هو أكبر من ذلك ملفا طبيا يؤكد القدرة على التحمل صحيا وبدنيا.

لا يمكن مجاراة عقلية كبار السن الذين يتمسكون بالمغامرة ويتمنون الموت في مكة ثم التساؤل عن زيادة عدد الوفيات.

ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن عدد وفيات التونسيين من الحجاج الذين سافروا بصفة قانونية محدود جدا لا يتجاوز العشرة أفراد فيما البقية هم ممن لجأوا إلى شركات السياحة التي كان من الواضح أن دورها يقف عند نقل الحجاج والعودة بهم من دون اتخاذ تدابير فعلية لمرافقتهم وتقديم الخدمات لهم. هذه الشركات لديها خبرة محدودة من خلال نقل المعتمرين، ومواسم العمرة المفتوحة على طول العام غير موسم الحج.

الحكومة المصرية قامت بسحب رخص 16 شركة سياحة اعتبرت أنها “تحايلت لتسفير الحجاج بصورة غير نظامية وإحالة مسؤوليها إلى النيابة العامة”. لكن تونس لم تعلن بعد عن إجراءاتها ضد هذه الشركات التي تزايد عددها بشكل لافت في السنوات الأخيرة، وإن كان لا يمكن تحميلها المسؤولية وحدها.

والمشكلة الرئيسية وراء الوفيات ليست مرتبطة بتونس ولا بمصر ولا بالأردن ولا غيرها من الدول التي شهدت وفيات ملحوظة في حجاجها واتخذت إجراءات سريعة لإظهار أنها لا تتسامح مع التقصير رغم أن تقصيرها محدود.

◄ السلطة اختارت الأسلم. أقالت الشايبي لتتخلص من وجع الرأس وتحصر مشكلة الحج في سوء التدبير من الوزير ووزارته ومرافقيه في البعثة الذين كانوا بالعشرات

المشكلة مرتبطة بخيار سعودي مزدوج؛ الأول يقوم على فتح الباب أمام التأشيرات السياحية ضمن خيار لزيادة أعداد السياح في بلد يهيّئ نفسه ليصبح بلدا سياحيا عملاقا من خلال مشاريع كبرى على البحر الأحمر، والثاني رفض اعتماد حاملي تلك التأشيرات في الحج وعمل حملة لمنعهم من أداء المناسك والتمتع بالخدمات التي يحصل عليها الحاج عبر القنوات الرسمية التقليدية من نقل وخيام ورعاية صحية، ولا حتى المياه الباردة التي توزع هنا وهناك.

وجود عشرات الآلاف من “حجاج السياحة” كان وراء الاكتظاظ الكبير في الحج وسببا في ظاهرة ضياع الحجاج عن الوفود التي جاءوا ضمنها، وخاصة وفود الأدلاء والمرافقين في الشركات السياحية ذات الخبرات المحدودة.

ربما فاجأ تحايل الحجاج السعودية نفسها بأن ذهب كثيرون إلى العمرة وتخلفوا في أماكن “سرية” وفي أحزمة قريبة من مكة إلى أن يحل موسم الحج ولم تقدر على طردهم ولم تنفع معهم العقوبات المتخذة ضد مخالفي أنظمة وتعليمات الحج.

بالتأكيد، فإن السعودية ستتولى تقييم ما جرى في موسم الحج الحالي وستعمل على سد ثغرة المخالفين الذين كانوا بأعداد كبيرة أربكت الحج بشكل لافت، وقد يكون من إجراءاتها التشدد في رحلات العمرة بعد رمضان.

وبالنتيجة، فإن الحج يجب أن ينظر إليه بأكثر عقلانية من الدولة المنظمة من خلال تشديد الرقابة والتنسيق الأمني مع مختلف الدول بشأن المتخلفين عن العودة من موسم العمرة والاختباء إلى أن يحل موعد الحج، والأهم من ذلك هو أن على الدول الإسلامية ألا تفسح المجال أمام شركات السياحة التي تتعامل مع الحج من جانب العائدات المالية دون مراعاة تعقيداته الدينية واللوجستية.

مختار الدبابي
كاتب وصحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه