احتجاج المعشني في عمان رسالة من نوع آخر

بقلم د. هيثم الزبيدي حزيران/يونيو 24, 2024 70

احتجاج المعشني في عمان رسالة من نوع آخر

لعل من المبالغة الحديث عن فتنة. موضوع صلاة العيد هو مظهر احتجاجي من قبيلة المعشني. من المؤكد أن المسألة تتجاوز التزام الناس بالمواعيد التي تحددها الدولة للأعياد والمناسبات الوطنية والدينية.

السلطان هيثم بن طارق.. حكم عدل بوسعه إعادة توجيه الأمور
من المبكر الإقرار بما إذا كانت ردود أفعال العمانيين على تجمع قبيلة المعشني في ظفار نوعا من الاستفتاء الشعبي على تغلّب الروح الوطنية على روح العلاقات القبلية التقليدية. يمكن وضع ردود الفعل المتشنجة جانبا، والنظر إلى التوجه العام للردود التي سادت على مواقع التواصل الاجتماعي وتركيزها على اللحمة الوطنية بعيدا عن النزعة المناطقية. هذا موقف يسجل للعمانيين.

التجمع الكبير للقبيلة كان تضامنا مع قيام بعض أفراد قبيلة المعشني الحكلي المهمة والمؤثرة في منطقة ظفار بصلاة العيد وفقا لتقويم أم القرى، أي تزامنا مع العيد في مكة. كان العيد رسميا في سلطنة عمان قد تأخر يوما لعدم ثبوت الرؤية، وتم حساب الشهر على هذا الأساس. سبق للسلطنة أن أصدرت بيانات رسمية في سنوات سابقة لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية تضع تقويم العيد مع توقيت أم القرى. توقيت عيد الأضحى لهذا العام جاء مختلفا بيوم، وهو الأمر الذي جعل البعض يحتفل بالعيد قبل يوم من التوقيت الرسمي للسلطنة. تحركت السلطات الأمنية وأوقفت شخصيتين مهمتين من قبيلة المعشني دون توجيه تهمة لهما، لكن من الواضح أن السلطات اعتبرت إقامة صلاة العيد بفارق يوم عن الموعد الذي حددته الدولة تجاوزا يقتضي التدخل. ردت القبيلة بالتجمع، وهو ما زاد من استثارة المشاعر.

لعل من المبالغة الحديث عن فتنة. موضوع صلاة العيد هو مظهر احتجاجي من قبيلة المعشني. من المؤكد أن المسألة تتجاوز التزام الناس بالمواعيد التي تحددها الدولة للأعياد والمناسبات الوطنية والدينية. كان بوسع المصلين أن يحتفلوا بالعيد في بيوتهم أو مجالسهم الخاصة من دون الوصول إلى ما قد يفسر بأنه تحدٍ للسلطات. لكن الصلاة، ثم التجمع والبيان الذي صدر عنه، وما رافق الحدث من توزيع لمشاهد تكشف حجم التجمع والتعليقات التي دعمته أو انتقدته، تشير إلى أكثر من احتجاج بدافع مناسبة دينية.

◄ أخطر ما في الأمر أن تصير هذه القبائل باحثة عن مرجعية دينية عابرة للحدود كما حدث وتشتّتت الولاءات في المهرة وحضرموت اليمنيتين المجاورتين. الجغرافيا تفرض نفسها مهما أمعنت الأطراف في إقامة الحواجز

ظفار ليست بعيدة عن المشاكل. هذه المنطقة شهدت الكثير من حركات التمرد والاحتجاج. بل يمكن القول بأن مشاكل ظفار كان لها الدور الأكبر في صياغة شكل الحكم في مسقط. فأحد أهم مسببات تحرك السلطان الراحل قابوس لعزل والده السلطان سعيد بن تيمور، كان تردي الوضع السياسي والاجتماعي والعسكري في ظفار. وللأمانة التاريخية، فإن السلطان سعيد نفسه أدرك أهمية المنطقة، وكان يقضي أغلب وقته في صلالة حيث تزوج مرتين من قبيلة المعشني. المعشني أخوال السلطان الراحل قابوس.

النهضة العمانية، التي صارت مسمى لحركة التغيير ووصول السلطان قابوس إلى العرش عام 1970، شملت بشكل كبير عملية إصلاح اقتصادي في ظفار. وتمكن السلطان الراحل من احتواء أزمة المنطقة وتغيير مسار الحرب فيها لتستقر الأمور بعد عام 1974. بناء الدولة في عمان اتخذ شكلا مركزيا صارما، في ظفار وغيرها من مناطق السلطنة. الاحتجاج المناطقي والاقتصادي في السلطنة، والذي لم يكن محصورا في ظفار، تم احتواؤه وانطلقت عمان في عملية تنمية كبيرة أسوة بالجوار الخليجي.

يقول بعض من العمانيين ممن التقيت بهم داخل السلطنة وخارجها، إن حركة الاحتجاج التي صاحبت ما يسمى بالربيع العربي كانت لها جذورها التاريخية في ظفار وغيرها من مناطق شمال عمان مثل صحار. البعد الاجتماعي كان حاضرا، وتم التلميح إلى بعض التأثيرات الدينية. لكن ما سمعته من الشباب في صلالة وصحار في تلك المرحلة كان يركز بالدرجة الأولى على الوظائف وتوفير فرص العمل للخريجين. ويمكن القول إن الدولة العمانية استطاعت احتواء تلك الاحتجاجات بالكثير من المرونة خصوصا مع إقالة الكثير من المسؤولين ممن اعتبروا متسببين في تعثر عمل الدولة، أو حجب بعض المعطيات عن السلطان قابوس.

ما حدث خلال السنوات القليلة الماضية هو زيادة التلميحات التي صرنا نسمعها عن الدوافع المذهبية في احتمالات عودة الاحتجاجات. كان هذا متوقعا، ليس لأن ثمة تمييزا واضحا بين العمانيين على أسس طائفية، بل لأن العامل الإيراني الذي يحرك إيقاع المذهبية في المنطقة صار أكثر حضورا، خصوصا في الحروب الأهلية التي شهدتها دول كبيرة في المنطقة مثل العراق وسوريا واليمن. من الصعب أن يجد العمانيون حربا أهلية على حدودهم في اليمن في أساسها يكمن البعد الطائفي، من دون أن يتأثروا ويعيدوا قراءة جزء من وضعهم الاجتماعي في هذا الإطار. تغيرت نبرة الأصوات المطالبة بحقوق أكبر في ظفار، والتي كانت تستعيد بعضا مما كان يتردد في الستينات عن القومية والاستعمار، وصار البعض يردد مقولات كانت نادرة في عمان، عن شوافع وإباضية وشيعة. هذا التغير، كما نقل لي بعض العمانيين، مرتبط بتخوف من تكرار محاولات فرض هيمنة مذهب على المذاهب الأخرى بحكم القدرة والتمكين.

◄ التجمع الكبير للقبيلة كان تضامنا مع قيام بعض أفراد قبيلة المعشني الحكلي المهمة والمؤثرة في منطقة ظفار بصلاة العيد وفقا لتقويم أم القرى، أي تزامنا مع العيد في مكة

لا يمكن المقارنة بين رسوخ أقدام الدولة في عمان وسلطتها وهدوئها في مواجهة التحديات الداخلية والإقليمية من جهة، وأمثلة فرض هيمنة فئة بدوافع مذهبية أو دينية في دول أخرى، من جهة ثانية. المثال اللبناني المتمثل في هيمنة حزب الله، والمثال العراقي المتعلق بالحشد الشعبي، بل وهيكل الحكومة العراقية بشكل عام، والمثال اليمني المتمثل في استئثار الحوثي بكل السلطات ونسف التوازن المذهبي التاريخي بين الشوافع والزيود، هي ثلاثة أمثلة بارزة تثير التوجس من توسع هذا النموذج الأقلوي ليصبح هو السائد في المنطقة. لكن المقارنة شيء وما يمكن أن تذهب إليه الأمور والهواجس شيء آخر.

مثل هذا التفسير يساعد على فهم ما حدث في عمان قبل أيام ولماذا يحدث مثل هذا التصعيد في مسألة العيد التي كانت تمر، بشكليها المتوافق مع توقيت أم القرى في سنوات أو المخالف لها في سنوات أخرى، بلا مشاكل. فقد فسر البعض المواقف السياسية الرسمية من إيران والوضع في اليمن، ثم تصريحات التضامن مع الحوثيين في استهدافهم للسفن بدعوى نصرة غزة التي صدرت من أعلى المراجع الدينية، بأنها ملامح لتغيير أعمق في التوازنات المذهبية في البلاد. لعل المحتجين من قبيلة المعشني، وخصوصا في بيانهم الموجه إلى السلطات، كانوا في الأصل يريدون التذكير -بطريقة غير مباشرة- بأسباب الاحتجاج. فأول فقرة في البيان تشير إلى الاستمرار في اتباع توقيت أم القرى، أي لا تراجع عن الحادثة. أما الفقرة الثانية فكانت تظلما يرفع إلى المقام السامي، وهو ما يشير إلى أنهم يرون في السلطان هيثم بن طارق الحكم العدل الذي بوسعه إعادة توجيه الأمور بعيدا عما يرونه فرضا تعسفيا من فئة مهيمنة في الدولة لطريقة التعايش بين مكونات البلاد المذهبية المختلفة. الرسالة منهم تقول إن الأمور قد تبدأ بفرض موعد العيد وتوقيف من يخالفه من قبل قوى الأمن، لكن هذه بداية لفرض ممارسات أخرى، كما حدث في أكثر من دولة عربية كان بعضها يعتز بتوازناته الطائفية والعرقية، بل وعلمانيته. هذه قبائل ترسخت علاقتها ببيت الحكم، مصاهرة وولاء، تجد مفاعيل مقلقة تمر أمامها، بدءًا من تحول طرق ظفار إلى ممرات للحوثي، وصولا إلى استعادة الحديث عن أهمية البيت العلوي وإقامة المساجد باسمه من شخصيات مثل يوسف بن علوي كانت جزءا من عملية البناء الوطني العماني غير المذهبي لما بعد 1974. ولعل أخطر ما في الأمر أن تصير هذه القبائل باحثة عن مرجعية دينية عابرة للحدود، كما حدث وتشتّتت الولاءات في المهرة وحضرموت اليمنيتين المجاورتين. الجغرافيا تفرض نفسها مهما أمعنت الأطراف في إقامة الحواجز والجدران.

في فيديو التجمع القبلي للمعشني، كان لافتا تصوير مواقف السيارات القريبة من المجلس الذي احتوى التجمع والإشارة إلى ازدحامها للتذكير بعدد المشاركين الكبير. لكن أي مراقب سينتبه إلى نوعيات السيارات الحديثة وأنها من أفضل وأغلى ما تقدمه شركات صناعة السيارات. البعد الاقتصادي المتعلق بالاحتجاجات السابقة صار اليوم أقل حضورا من قبل مع التزام الدولة العمانية بوعودها في توفير الوظائف. هذا مشهد لاحتجاج من نوع آخر.

د. هيثم الزبيدي
كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه