أيُّها الجَسُورُ؛ حيَّ على الجُسُور

بقلم علي الجنابي تموز/يوليو 10, 2024 67

علي الجنابي

أظن أنهُ غيرُ معلوم لدى كثيرٍ من أمة العرب أن العراق منذ سنة 2003 وحتى هذي اللحظة لا كهرباءَ فيه، ولا فيه ماءٌ ولا حتى دواء.

أما الدواء فترى العراقي يهاجر الى أربيل عاصمةِ كردستان التي كانت تتبعُ أوامرَ مافي بغدادَ من أمراء، أو تراهُ مهاجراً الى الأردن الذي لم يزلْ أهلهُ نشامى وأصلاء، أو يمتطي البوينغ 737 محلقاً في السماء، الى الهند لإن فيها سيخٌ لا يمرض عنده أحدٌ، ولديه من سُبل الدواء والشفاء ما تشاء.

وأمّا الماء يا سادةً فضلاء، فقيعةُ نهرينا "دجلة والفرات" قد أضحت بوراً خواء، وكادَ يملؤها البقُّ ونتنُ الهواء، وغير صالحةً لزراعةِ الباميا صيفاً ولا في الشتاء تنمو فيها قرونُ الباقلاء. وإنك لترى الناس ههنا يتسابقونَ بشافطاتٍ كهربائيةٍ لشفطِ ما في من صنابير مساكنِهم من ماء، فمنهم من يَمصُّ بفمهِ الصنبورَ ليسحبَ الماءَ، ومنهم من يَسكبُ من (إبريقِ الخلاء) ماءً في فمِ أنبوبٍ مطاطيٍّ ليطردَ بهِ مافي أمعاء الصنبورِ من هواء. فيستجيبَ له الصنبورُ بالماء ، فيغيظُ جيرانَهُ بهذا النصر الغظيمِ على الهواء.

وأمّا الكهرباء! وما أدراك ما الكهرباء!
أفٍّ أف! فحدِّث عن نعمةِ الكهرباء جهرةً بلا وجاء، فلم تزلِ الكهرباءُ عند أهل العراق عابرَ سبيل ملثَّمٍ يمرُّ في دروبهم بتكبُّرٍ وخيلاء، أو دعنا نصفُها غادةً طريةً ذاتِ أربعةِ عشر تهلُّ من شرفتها للمحةِ بصرٍ بتغنجٍ وكبرياء ، على مقهىً مزدحمٍ بفتيانِ من الحيّ مراهقينَ مفلسينَ وبلهاء.

ثمَّ إننا نحنُ أهلُ العراق أصلاء وكثيرٌ منَّا نجباء، وقدِ استقرأنا الحالَ مذ أولِ يومٍ دخلَ فيهِ المحتل و استخلافهِ (لأذنابٍ أذلاء). وأنا فيما ههُنا ما جئتُ بوصفِ (الأذناب الأذلاء) من عندي بإبتداء، وحاشا بل كذا وصفٌ لا يتطلبُ اطلاقُهُ الى كثيرٍ من دهاءٍ وذكاء ، وإنما هو لسانُ حالِ الشارعِ العراقي واكتشافُ ذلك الوصفِ لا يحتاج الى جهدٍ وعناء، بل يحتاجُ وقفةً على "جسر الجمهورية" لسماع ذا الوصفِ من أولِ عابرٍ للجسر باستياء، لأنه يعبرُ جائعاً بلا فطورٍ ولا غداء . وسيقولُ هذا الجائغُ لسائلهِ بإزدراء؛ [ إنَّه وصفٌ دائمٌ قائمٌ قد أطلقهُ على حكوماتِ ما بعدَ كلِّ غزوٍ احتلالٍ ربُّنا العزيزُ الجبارُ ذي الملكوت والكبرياء، فقالَ سبحانه في قرآنٍ معجزٍ ذي سناء؛ ( وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ) هؤلاءِ الخبثاء، بعدما وَصَفَت بلقيسُ الغزاةَ فقَالَتْ بجلاء؛ ( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً) واستخلفوا في أرضها الأذلاء.

وإذاً، فلا وصفَ بعدَ وصفِ قرآنٍ غيرِ ذي عِوجٍ أبانَ الأمرَ بقبسٍ من قضاء.
أقولُ: قدِ استقرأنا الحالَ وعَلِمنا المآلَ مذ أولِ يومٍ دخلَ فيهِ المحتل و (أذنابه الأذلاء)، وتبرَّأنا أمامَ الشعوبِ والقبائلَ من (وطنيةِ) الكهرباء، والتحقنا بجحافلَ من جيوشِ مولداتٍ (أهليةٍ) لا (وطنيةٍ)، بل لقطاء في الارجاء. مولداتٌ شتى تُسمَّى (ذهبية) لأنها لا تَقطعُ عنّا على مدارِ اليوم أنوارَ الكهرباء ، بيدَ أنَّ أنوارها باهضةُ الثمن ولا يسطيعها الفقراء منّا ولا البؤساء، إذ يبلغُ سعرُ الأمبير الواحد 25 ألف د.ع من فئة الورقة الصفراء. ولو أنَّا عرفنا أن أدنى حاجة لمنزلٍ هي خمسة أمبيرات من الكهرباء، لعلمنا أن هذي الكلفة تعدلُ مرتباً شهرياً لأسرةٍ من أسرِ دائرة الرعاية الاجتماعية في حكومتنا الحنون ذاتِ الأثداء.

ثمَّ يأتينا رسولٌ من رسلِ دوائرِ الكهرباء، فيطرقُ أبوابَ دورنا في كلِّ شهرٍ رجلُ جبايةٍ يطلبُ منّا الجزاء، ومنَ الرسلِ المُشَمِّرُ ويرمي خطاهُ في الدروبِ كأنه طائرُ العنقاء، ومنَ الرسلِ المُتَذَمِّرُ ويرمي بها كسرطانِ بحرٍ الى أربعة جهاتٍ في الأنحاء. ولكن مرحى لرجالِ الجبايةِ وإذ همُ يزأرون لنا بضميرٍ حريصٍ على أموالِ بيتِ المالِ بشموخٍ ووفاء؛ (تسديد قائمة أجور الكهرباء يا مواطن هو دليلٌ على وطنيتكَ الشماء).

ويْ! ويحَ أذني وما سمعت من كلامِ العظماء الأجلاء!
ويحَكَ عبود! فكم أنا خائنٌ للوطنِ، ومختلسٌ لأموالِ الشعبِ أموال الفقراء! وإذاً، سأدفعُ أكراماً (لوطنية الكهرباء)، رُغمَ أنفِ مولدات اللقطاء، وكلفةِ خمسة أمبيراتٍ يجلدُون بها ظهريَ بلا عواء. سأدفعُ إكراماً وغراماً مني بغادةٍ طريةٍ ذاتِ أربعةِ عشر تطلُّ من شرفتها للمحةِ بصرٍ بتغنجٍ وخيلاء ، على مقهانا المزدحم بفتيانِ من الحيّ مراهقينَ مفلسينَ وبلهاء. ثم أنا (معنديش كهرباء يا كالابالا)!

بوركت يا حكومتنا الرشيدة، حكومة النبلاء، في تسلقِ ذرى المجد وتشييدِ الجسورٍ بإنشاء، فوق خشومِ تقاطعات المرور وما نَسَيتِ قطُّ زخرفةَ شوارعَ الجسور بعد الإكساء.

بوركتم جميعاً وبوركتم أشتاتاً يا حكومةً فضلى في مجلس الوزراء.

وبوركتم انتم أيها المشرِّعونَ الساهرون على راحتنا في البرلمان من أعضاء.

بوركتم ، وبيَّضَ اللهُ ﷻ وجوهَكم كما بيضتُم وجوهَنا بحضرةِ الغادةِ الطريةِ وتاجِ النساء، التي قد تطوِّعٌ لها نفسها ببهاء، فتنزلُ من شرفَتِها أمامَ المقهى لتتجولَ في دروبِ بغدادَ كما تشتهي وتشاء، ولسانُ حالها يقولُ ؛ " واااااو يا دولة رئيسَ الوزراء! أنت رائعٌ بل إنك زعيمٌ جَسورٌ فعلامَ يرمونكَ بالهجاء! فلا اختناقَ الدروبِ ولا زحمةَ بعد الغروبِ وهنا يكمن سرُّ ومدعاةِ الثناء لكَ بنقاء.

إنطلقْ ولا تلتفتْ الى لومةَ لائمٍ يُعيقُ فيكَ روحَ التقدم والرخاء، انطلقْ وسحقاً (للكهرباء الوطنِية) فلا حاجةَ لنا بها مادامتِ(الكهرباء الذهبية) تتفجرُ من مولدات أولئكَ اللقطاء، وحيَّ على شافطاتِ الماءِ في المساكن باحتواء، وسبحانَ سيخ الهندِ وما ملكَ من شفاءٍ في دواء. أجل، فمن جسورِ بغدادَ سوف تتفجَّرُ النهضةُ ويكمنُ فيها التطور والنماء، ثمَّ سوف تتبعُها الرَّادفة؛ جسورٌ نحو المريخِ وبلوتو فأورانوسَ دأباً لغزو الفضاء بلا استرخاء، ثمَّ تكونُ الثالثةُ القاذفة؛ استضافةُ بغدادَ لبطولةِ كأسِ غربِ أسيا بلعبة الطاولي توطيداً لشموخِنا بينَ الأممِ واستعادةً لأمجادِ الآباء".

حيَّ على الجُسُور أيُّها الجَسور، حيَّ على الجُسُور وإنّما العافيةُ درجاتٌ باقتفاء ، وما هيَ بقفزةٍ الى مقعدِ حنطورٍ في العراء، وعسى أن يكون يومَ (نتلةِ) كهرباء الوطنِ قريباً ذات صبحٍ أو حينَ العشاء، فترى أجسادنا تتراقصُ من فولتاتِها مبتهجةً بإحتفاء.

حيَّ على الجُسُور أيُّها الجَسور.

نسخة منه الى / المكتب الاعلامي لرئيس الوزراء العراقي ، مجلس النواب العراقي، ثم رئاسة جمهورية العراق الملتحفةِ لفراشِ العلياء ، وأرجو أني لم أزعج منام سيادتك أيا سيد سادات الزعماء.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه