شعلان ضاري ....والاقتصاد العراقي

بقلم د.عدنان هادي جعاز (خبير اقتصادي واكاديمي) تموز/يوليو 11, 2024 50

د.عدنان هادي جعاز
(خبير اقتصادي واكاديمي)


لاشك ان لصحة وسلامة النسيج الاجتماعي وانسجامه اثراً كبيراً على صحة وسلامة اقتصاد العراق فالنسيج الاجتماعي بما يمثله من شبكة العلاقات والتفاعلات الاجتماعية التي تربط أفراد المجتمع فيما بينهم بمناطقهم المختلفة واعراقهم ودياناتهم ومذاهبهم ، ولذا يجب المحافظة على منظومة علاقات مبنية على الاحترام المتبادل في ظل مفاهيم المواطنة بخاصة في بلد مثل العراق له قيمة مكانية وجغرافية سياسية واقتصادية كبيرة جداً ، فهو نقطة الوصل المباشرة بين اسيا واوربا وبين الشرق والغرب ، لكن هذه الصفة ذات القيمة الاقتصادية الكبيرة تفقد أهميتها وتزداد حدة توترها بسبب الخلافات التي تنشب بين الحين والاخر بين المنطقة الجنوبية ذات الموانئ الوحيدة وبين المنطقة الغربية التي يمر خلالها الخط الرابط بين القارتين ، ومن الملاحظ تنوع المشاكل الاثنية فمن مذهبية الى مناطقية الى قبلية فضلاً عن اختيار توقيتاتها الخطيرة والحساسة، ففي كل مدة هدوء نسبي يحققها العراق يتبعها حركة اقتصادية واستثمارية نشطة نلاحظ بروز مشكلة تؤثر على النسيج الاجتماعي مما يزيد من مؤشرات الخطر الامني وهو من أهم عوامل نفور المستثمرين وتثبيط حراك الاستثمار وعرقلة النشاط الاقتصادي في العراق ففي المدة الاخيرة حقق العراق مكاسب اقتصادية مهمة نذكر منها تسديد الديون الخارجية ومشاريع البنى التحتية وأستثمارات مهمة في مجال أستثمار الغاز ونظرة استراتيجية طموحة لمستقبل استثمارات في مجال الطاقة كل ذلك من الممكن ان تؤسس لنهضة اقتصادية مستقبلية تضع العراق على مسار تنموي يغير من الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي نحو الافضل .
لكن لاحظنا الآونة الاخيرة بروز مشكلة مناطقية وقبلية ومن دون مقدمات،وهي مشكلة أحقية ثورة العشرين بين الشيخ شعلان الظالمي ابن الفرات الاوسط والجنوب وبين الشيخ ضاري الزوبعي ابن المنطقة الغربية ، وانا هنا ليس بصدد تحديد أحقية كل منهما ، فانا لست بباحث في التاريخ لكني تفأجات بالطريقة التي تناول بها الموضوع ، وهو دليل على ان المسؤولين عن هذه الفتنة لا يهمهم لا الشيخ شعلان ولا الشيخ ضاري ولا حتى العراق ، انما هم يسعون لأرباك العلاقات الاجتماعية بين أبناء الوطن الواحد لأفشال مشاريع العراق التنموية المستقبلية ، التي تسعى لجملة من الاصلاحات الاقتصادية، فالوقت يمضي سريعاً والعالم لن ينتظر وربما تكون هي أخر الفرص لنهضة العراق لتحقيق نهضة شاملة .
عانى العراق بعد 2003 من المشاكل الاثنية بشكل كبير مع اختلاف أنواعها لكنها جميعا تهدف الى تعطيل مسيرة العراق الاقتصادية وايجاد أليات تضمن عدم تحقيقه اي نهضة اقتصادية تعيده الى واقعة ومكانته الجيوسياسية والاقتصادية وبالتالي الثقل السياسي في منطقة الشرق الاوسط .
لماذا لا يحقق العراق ما حققته ماليزيا في تحييد العوامل الاثنية والتي تعد من اكبر معرقلات الاقتصاد فماليزيا التي كانت تعاني من مشكلة اثنية اكبر وأعقد بكثير من العراق ، فهي بين شعبين مختلفين في العرق والدين وحتى المستوى الاقتصادي فهي كانت بين الصينيين البوذيين الذين يمتلكون 98% من ملكية الشركات وبين شعب الملاوي صاحب الارض المسلم والذي يعيش أوضاع اقتصادية مأساوية ، ففي مطلع السبعينيات وبعد استقلالها من الاستعمار الإنكليزي انفجرت أكبر مشكلة عرقية دموية في كوالالمبور بين الملايو المسلمين وبين الصينيين كادت ان تنهي الدولة برمتها ، لكنها بعد سنوات تمكن قادة وحكماء ماليزيا من تحييد المشاكل الاثنية، فتحولت وبسرعة من واحدة من افقر دول الى العالم ، الى نمر اقتصادي مهم في العالم ، لها القدرة على مواجهة التحديات والازمات السياسة والاقتصادية وخير دليل على ذلك قدرتها من الخروج من الازمة المالية 1997 وبإمكانات ذاتية التي ضربت نمور الاقتصاد الاسيوية .
وتجربة راوندا الافريقية ايضا تستحق الاشارة لها، والتي نشبت بها حرب اهلية عام 1990راح ضحيتها مليون انسان خلال 100يوم فقط وبنسبة 10% من الشعب وتم اخذ النساء كرقيق وسبايا ، لكنها اليوم تمكنت من تجاوز كثير من الدول اقتصاديا وحققت معدلات نمو حقيقي قادم من الصناعة والزراعة وصل الى 9% ، وهي واحدة من اهم مراكز الجذب الاستثماري في القارة الافريقي ، بعد ان قضت على المشكلة العرقية وحققت الاستقرار اللازم
ان ثورة العشريين العراقية تمكنت من تحرير العراق من الاستعمار البريطاني والتي تبعتها مجموعة من الاجراءات الاقتصادية المهمة عملت على تحرير العراق من التبعية الاقتصادية لبريطانيا وحققت نهضة صناعية وزراعية ونقدية كبيرة نسبياً ، فيجب على الجميع ان يفخر بها ، لا ان يجعلها مادة للفتنة تجعل العراق متخلف اقتصاديا واجتماعيا . ولن يتمكن العراقيون من بناء اقتصاد قادر على تحقيق نهضة تنموية شاملة الا اذا اصبحوا عراقيين فقط وفقط ويغلبون الوطنية والهوية الوطنية الاعم والاشمل على الهويات الفرعية، وان يحظى النسيج الاجتماعي وهو أساس رأس المال الاجتماعي بقدسية خاصة فيما بينهم ، فالإنسان يعتز بنسبه وقبيلته لتعطيه بعد اخلاقي اكبر، ويعتز بدينة ومذهبة لأنه يديم علاقته مع خالقه ، اما الشريك في الوطن فيجب ان تديمها المنظومة الاخلاقية التي ارستها الاديان جميعا والتي اكتسبتها من نبل عرقك وكرمه وسمو منزلته وبالتالي يحقق المجتمع الاستقرار الذي يحافظ على موارد البلد المالية ويضمن توجهها الى مشروعات تنموية حقيقة لا ان تتحول وبسبب الفتن المختلفة الى انفاق عسكري على حساب الانفاق الاستثماري ، ويجعل العراق طارد للاستثمار المحلي ناهيك عن الاجنبي ، ويعمل على تهريب الفوائض المالية للتجار واصحاب الدخول العالية ، ويدمر البنى التحتية ، فأثار حرب داعش ما زالت قائمة وتكاليف اعادة الاعمار وتسديد الديون الاجنبية اثقلت كاهل الموازنات العراقية منذ عام 2018 فضلا عن خسارة اكثر من80 مليار دولار كانت في رصيد الاحتياطيات من النقد الاجنبي قبل عام 2014 . وكل هذا الكم الكبير من الخسارة المالية الكبيرة والخسارة الاكبر في راس المال البشري من تدمير جامعات ومستشفيات والعدد الكبير من الشهداء ، كل ذلك كان بسبب فتنة استغلت التنوع المذهبي ليكون أداة لتدمير البلد اقتصاديا وهي من الادوات المهمة في تدمير اقتصاد الدول ولو القينا نظرة على كتاب «الاغتيال الاقتصادي للأمم» وهو عبارة عن مذكرات الاقتصادي الامريكي جون بيركنز الشخصية الذي يصف فيه وظيفته كقاتل اقتصادي بحسب وصفه، والتي تُلخّص الأسلوب الجديد للولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على دول العالم الثالث للاقتصادي والتي تتضمن اعترافاته ومسؤوليته عن تدمير اقتصادات مجموعة من دول العالم الثالث ، والاليات التي اتبعها والادوات التي استعملها تجد ان التلاعب بالنزاعات الاثنية من اهم ادواتهم لشل اقتصادات الدول وجعلها اسيرة للمنظمات الاقتصادية الدولية .
نعم هناك من لا يعرف أبعاد عصبيته الدينية والمذهبية والعرقية والقبلية والتي تستغل للتأثير على مسيرة بلده ومن دون ان يشعر يصبح معول هدم لاقتصاده ويحول التاريخ من مادة للفخر الى مادة لتدمير حاضره ومستقبله ، وانا هنا لا أتهم احد من العراقيين بتعمد اشعال الفتن لكن اطلب من الشعب العراقي بان لا يكون حاضنة لهذه الفتن او ان ويوفر الاوكسجين اللازم لاشتعالها وتدميرها للنسيج الاجتماعي والذي يتبعه تفكيك للجغرافيا مما يعني خسارة العراق في المنافسة ليكون جزء مهم على طريق التجارة العالمية والتي يعول عليها العراقيين جميعا لتشكل مورد اقتصادي مهم جداً يقدم العراق تنموياً.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه