عن مستقبل الاعلام ..

 
حضرت ندوة لمناقشة كتاب الدكتور عبد الحميد الصائح عن الاعلام و تشكيل الرأي العام ، حدود الحرية و المسؤولية وهو عنوان كتابه الذي صدر مؤخرا.
ولكوني من خريجين قسم الاعلام جامعة بغداد ، أثارتني جملة الافكار التي طرحها الدكتور الصائح ، وخاصة تلك المتعلقة بدور الاعلام في تشكيل الرأي العام و تأثير التكنولوجيا على تغيير أدوات و مواقع اللاعبين في الاعلام الجديد، وخاصة في مدى التأثير السياسي و الأجتماعي.
المواطن في العالم العربي، مجملا، يتحدث بالسياسة اكثر من غيره. عند ركوب سيارة أجرة في شوارع بغداد او القاهرة، يجد الراكب نفسه منغمسا في الأحاديث السياسية مع سائق المركبة. كذلك في لبنان، فإنك لا تكاد تلتقي مواطنا الا وتحدث بحماس وشغف عن جماعة عون وجماعة الحريري.في حين هنا في لندن نادرا ما تجد من يتكلم في السياسة في مكان عام او سيارة أجرة .
عند ظهور وسائل الاعلام الجديد، فإن العرب إجمالا قاموا باستخدامه اولا، وقبل كل شيء، كأداة للطرح السياسي، وذلك لعدم وجود اعلام محايد او مؤسسات للمجتمع المدني او نشاط سياسي في الشارع العربي.
أعطى ذالك المجتمع الافتراضي بكل تأكيد المواطن العربي حرية التحدث، وكان ذلك أولا تحت أسماء مستعارة ومؤسسات افتراضية تعنى بالتغيير السياسي ثم تدريجيا، أصبح الإعلام الجديد منبرا سياسيا هاما.
ولكن ما هو الأثر الفعلي لهذا المنبر في التغيير السياسي؟ وكيف سيتغير مستقبلا؟
قرأت مقالات و دراسات حول دور الاعلام الجديد في الربيع العربي وصياغة مستقبل الشباب ،و تأثير التكنولوجيا و خاصة وسائل التواصل الاجتماعي على دور الاعلام . وعلى الرغم من الاتفاق على عدد من المبادئ العامة لطرحها، الا ان هناك مبالغة او تباين في الدور الفعلي للإعلام الجديد في تغيير واقع السياسة العربية وأختلاف تأثيرها من بلد عربي الى أخر .
إن دور اعضاء مجموعات فايسبوك او المشاركين في “هاشتاغات تويتر” هو في غالب الاحيان رمزي، ولا يتعدى حدود الشكليات. لذلك، فإن النشاط السياسي في الانترنت لا يترجم بالضرورة الى تغيير او نشاط سياسي فعلي في الشارع .
والدليل كم المنشورات التي كانت تدعو الى الاصلاح و التغيير في العراق لكنها بقت اسيرة صفحات من نشرها و كان القول الفصل لمتظاهري ساحة التحرير من تيارات سياسية استحوذت على الشارع .
وعلى الرغم من النشاط الكبير على الانترنت ، الا ان التغيير السياسي الحقيقي لن يولد في الانترنت فقط بل يمكن أن يكون الطلقات التي تسبق الولادة الحقيقية له في الشارع ويأتي الاعلام الجديد بعدها ليكمل ما بدأ في ترسيخ التغير السياسي وتوجيه الرأي العام.
واذا ما درسنا تأثير دور الاعلام الجديد في الربيع الربي فأننا سنجد أنَّهُ لم يكن فقط يمهد الطريق للشارع، بل أيضاً استكمل الدور الأساسي الذي لعبه المواطن في الشارع ال عربي.
قام الإعلام الجديد بدور ملموس في حشد وتوجيه المتظاهرين، لكنه لم يكن مفصليا في تسيير الاحداث.
في مصر، استمرت المظاهرات بشكل كبير بعد قطع خدمات الانترنت. بل كما يذكر الدكتور محمد النواوي، المحاضر في ثقافة التدوين في جامعة كوينز، تعطيل الانترنت كان جوهريا في زيادة اعداد المتظاهرين في الشارع، معللا ذلك بخروج اعداد كبيرة من المساندين للثورة الذين اختزلوا نشاطهم وراء الشاشة الى الشارع. كانت تلك نقطة تحوّل في الثورة المصرية.
نقطة الاتفاق الرئيسة عن دور الإعلام الجديد هي في إيصاله صوت الشارع العربي الى جميع أنحاء العالم. من دون شك، كان لأفلام يوتيوب والنشاط التويتري دور كبير في حشد الاهتمام الدولي لقضايا الاستبداد في بعض دول العالم العربي. 
لكن الأهم في هذا النقاش، ما هو دور الإعلام الجديد مستقبلا؟ وما هو دور الشباب في ذلك؟ تتمحور الاجابة عن هذا السؤال في عدد من النقاط.
أولا، يظل الاعلام الجديد اليوم متأثرا بشكل كبير من قبل رجالات الاعلام التقليدي. ان جل المستخدمين المؤثرين في تويتر هم كُتاب الصحف التقليدية والعاملين في القنواتِ الإخبارية، مع بعض الاستثناءات.
يتحرك الراي العام في تويتر بناءا على ما يكتبه المستخدمون اصحاب العواميد في الصحف ومقدمو البرامج الحوارية، وما زالوا هم المتربعين على عرش الاعلام الجديد.
الاعلام التقليدي نجح بشكل واضح في توظيف وسائل الاتصال الجديدة في خدمة مؤسساته. لذلك، فإن شكل الاعلام الجديد مستقبلا سيتغير جذريا مع قدرة مستخدميه على قلب الموازنة والتعدي على قامات الاعلام التقليدي، الذي ما زال يمتلك القدرة والشهرة والخبرة.
ثانيا، لا يزال دور الحكومات العربية في الاعلام الجديد غامضا. قد يؤدي الوجود الحكومي في مواقع التواصل الاجتماعي الى تغيير شكل المداولات السياسية. ففي المستقبل القريب، اذا كان هناك توظيف مثالي لوسائل الاعلام الجديد من قبل الحكومات العربية فسيكون هناك وجه آخر مختلف تماماً للاعلام الجديد عما نعيشه اليوم.
ثالثا، تأسيس المجتمع المدني في العالم العربي سيجر الانتباه من الاعلام الجديد الى الشارع السياسي الحقيقي.
وفي حال انخراط الناشطين في مؤسسات المجتمع المدني، فإن الطرح السياسي على تويتر وغيره سيصل الى مرحلة اكبر من النضج الفكري و سيؤسس المجتمع المدني خطاب سياسي جديد وسيكون له بطبيعة الحال أثر في المداولات القائمة اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي.
مصطلح “جيل تويتر” هو مصطلح محدود لا يصل الى مستوى طموحات الشباب العربي
( جيل التغيير) هو المصطلح الذي يصبو إليه الشاب العربي، والذي سيقوم تدريجيا بالانتقال من الكتابة الشكلية على الانترنت الى التأثير الحقيقي في العملية السياسية.
عند حدوث ذلك، فإننا سنشهد تحولا من كون الاعلام الجديد منبرا سياسيا الى أداة اجتماعية، وسيجد الخطاب السياسي مساحة اكبر وتأثيرا أوضح.
الاعلام الجديد هو باختصار مرحلة انتقالية من الركود الى الوعي السياسي، من الانسيابية الى القيادة، وبالتأكيد مرحلة انتقالية في تغيير شكل الحكومات العربية والمجتمع المدني.
قيم الموضوع
(0 أصوات)
سالي المبارك

كاتبة عراقية

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه